فصل: 385- باب ما جَاء في خروج النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى العيدِ في طريقٍ ورجُوعِه من (طريقٍ) آخر

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي للمباركفوري ***


383- باب ‏(‏ما جاء‏)‏ لا صلاةَ قبلَ العيد ولا بعدَها

‏(‏باب لا صلاة قبل العيدين ولا بعدها‏)‏ كذا في النسخ الموجودة والظاهر أن يكون ولا بعدهما بتثنية الضمير‏.‏

533- حدثنا محمودُ بن غَيْلانَ، حدثنا أبو داودَ الطّيَالِسِيّ قال أنبأنا شعبةُ عن عَدِيّ بنِ ثابتٍ قال‏:‏ سمِعتُ سعيدَ بنَ جُبَير يُحَدثُ عن ابنِ عباسٍ ‏"‏أن النبيّ صلى الله عليه وسلم خرجَ يَوْمَ الفِطرِ فصلّى ركعتَينِ ثم لمْ يُصَلّ قبلها ولا بعدها‏"‏‏.‏

‏(‏قال‏)‏‏:‏ وفي الباب عن عبد الله بن عمر، وعبدِ الله بن عَمْروٍ وأبي سعيدٍ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ ابن عباسٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏ والعملُ عليه عِندَ بعض أهل العلمِ من أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرِهم وبه يقولُ الشافعيّ وأحمدُ وإسحاقُ‏.‏

وقد رَأى طائفةٌ مِن أهِل العلمِ الصّلاةِ بعدَ صلاة العيدينِ وقبلَها مِن أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرِهم والقولُ الأوّلُ أَصَحُ‏.‏

534- حدثنا أبو عمّار الحسينُ بن حُرَيْثٍ حدثنا وكيعٌ عن أبانَ بنِ عبدِ الله البَجَليّ عن أبي بكرِ بن حفصٍ وهو ابن عُمَرَ بن سعدِ بن أبي وقّاصٍ عن ابن عُمَرَ ‏"‏أنه خرج ‏(‏في‏)‏ يومَ عيدٍ فلم يُصَلّ قبْلَها ولا بَعْدها، وذكرَ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم فعلَهُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ ‏(‏و‏)‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لم يصل قبلها ولا بعدها‏)‏ أي قبل صلاة العيد ولا بعدها‏.‏ قال الشيخ ابن الهمام‏:‏ هذا النفي محمول على المصلى لخبر أبي سعيد الخدري‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلي قبل العيد شيئاً فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين انتهى‏.‏ قلت‏:‏ حديث أبي سعيد هذا أخرجه ابن ماجه‏.‏ وقد حسن الحافظ ابن حجر إسناده في فتح الباري، وقال صححه الحاكم‏.‏ وقال الشوكاني في النيل بعد نقل تحسين الحافظ وتصحيح الحاكم ما لفظه‏:‏ في إسناده عبد الله بن محمد بن عقيل وفيه مقال انتهى‏.‏

قلت‏:‏ قال الذهبي في الميزان بعد ذكر ما فيه من كلام أئمة الجرح والتعديل مالفظه‏:‏ حديثه في مرتبة الحسن‏.‏ وقال محمد بن عثمان العبسي الحافظ‏:‏ سألت علي بن المديني عنه فقال كان ضعيفاً، وقال البخاري في تاريخه‏:‏ كان أحمد وإسحاق يحتجبان به انتهى‏.‏ وقال الخزرجي في الخلاصة‏:‏ قال الترمذي‏:‏ صدوق سمعت محمداً يقول‏:‏ كان أحمد وإسحاق والحميدي يحتجون بحديث ابن عقيل انتهى‏.‏ فالظاهر ما قال الذهبي من أن حديث عبد الله بن محمد بن عقيل في مرتبة الحسن والله تعالى أعلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وأبي سعيد‏)‏ أما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه ابن ماجه بنحو حديث ابن عباس المذكور‏.‏ وأما حديث أبي سعيد فأخرجه أيضاً ابن ماجه وقد تقدم ذكره آنفاً، وفي الباب أيضاً عن علي عند البزار وعن ابن مسعود عند الطبراني في الكبير بلفظ‏:‏ ليس من السنة الصلاة قبل خروج الإمام يوم العيد، ورجاله ثقات‏.‏ وعن كعب بن عجرة عند الطبراني في الكبير أيضاً‏.‏ وعن ابن أبي أوفى عنده فيه أيضاً‏.‏ وقد ذكر الشوكاني في النيل أحاديث هؤلاء مع الكلام عليها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث ابن عباس حديث حسن صحيح‏)‏ أخرجه الجماعة كذا في المنتفى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والعمل عليه عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق‏)‏ قال ابن قدامة‏:‏ وهو مذهب ابن عباس وابن عمر‏.‏ قال‏:‏ وروي ذلك عن علي وابن مسعود وحذيفة وبريدة وسلمة بن الأكوع وجابر وابن أبي أوفى، وقال به شريح وعبد الله بن مغفل ومسروق والضحاك والقاسم وسالم ومعمر وابن جريج والشعبي ومالك، وروي عن مالك أنه قال لا يتطوع في المصلى قبلها ولا بعدها، وله في المسجد روايتان، وقال الزهري‏:‏ لم أسمع أحداً من عليائنا يذكر أن أحداً من سلف هذه الأمة كان يصلي قبل تلك الصلاة ولا بعدها‏.‏ قال ابن قدامة‏:‏ وهو إجماع كما ذكرنا عن الزهري وعن غيره انتهى كذا في النيل‏.‏

قلت‏:‏ يرد دعوى الإجماع ما حكى الترمذي بقوله‏:‏ ‏(‏وقد رأى طائفة من أهل العلم الصلاة بعد صلاة العيدين وقبلها من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم‏)‏ روى ذلك العراقي عن أنس بن مالك وبريدة بن الحصيب ورافع بن خديج وسهل بن سعد وعبد الله بن مسعود وعلي بن أبي طالب وأبي برزة‏.‏ قال‏:‏ وبه قال من التابعين إبراهيم النخعي وسعيد بن جبير والأسود بن يزيد والحسن البصري وأخوه سعيد بن أبي الحسن وسعيد بن المسيب وصفوان بن محرز وعبد الرحمَن بن أبي ليلى وعروة بن الزبير وعلقمة والقاسم بن محمد ومحمد بن سيرين ومكحول وأبو بردة، ثم ذكر من روى ذلك عن الصحابة المذكورين من أئمة الحديث، قال‏:‏ وأما أقوال التابعين فرواها ابن أبي شيبة وبعضها في المعرفة للبيهقي ‏(‏والقول الأول أصح‏)‏ فإنه يدل عليه أحاديث الباب‏.‏ وروى أحمد من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً‏:‏ لا صلاة يوم العيد قبلها ولا بعدها‏.‏

قال الشوكاني في النيل‏:‏ إن صح هذا كان دليلاً على المنع مطلقاً لأنه نفى في قوة النهي‏.‏ وقد سكت عليه الحافظ فينظر فيه انتهى‏.‏ قلت‏:‏ ويؤيده حديث أبي مسعود رضي الله عنه قال‏:‏ ليس من السنة الصلاة قبل خروج الإمام يوم العيد، رواه الطبراني في الكبير‏.‏ قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد‏.‏ رجاله ثقات‏.‏

384- باب في خرُوجِ النّسَاءِ في العيدَين

535- حدثنا أحمدُ بن مَنيعٍ، حدثنا هُشيمٌ، أخبرنا منصورٌ وهو ابنُ زَاذَانَ عن ابْنِ سيرينَ عن أُمّ عَطِيّةَ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يُخْرِجُ الأبكارَ والعواتِقَ وذَواتِ الخُدُورِ والحُيّضَ في العيدَيْنِ، فأما الحُيّض فَيعْتَزِلْنَ المُصَلّى ويشهدْنَ دَعْوةَ المسلمينَ، قالت إحْدَاهُنّ‏:‏ يا رسول الله إنْ لَمْ يَكُنْ لها جِلبَابٌ‏؟‏

قال‏:‏ فلْتُعرها أُخْتُها مِن جلابيبِها‏.‏

536- حدثنا أحمدُ بن مَنيعٍ، حدثنا هُشَيمٌ عن هِشامِ بن حَسّانَ عن حفصةَ بنتِ سِيرينَ عن أُمّ عَطِيّةَ بنحوِه‏.‏

‏(‏قال‏)‏‏:‏ وفي البابِ عن ابنِ عَبّاسٍ وجابرٍ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ أمّ عَطِيّةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

وقد ذَهبَ بعضُ أهلِ العلمِ إلى هذا الحديثِ، وَرَخّصَ للنساءِ في الخروجِ إلى العيدَينِ، وكَرِهَهُ بعضُهم‏.‏

وَرُوِيَ عن ‏(‏عبد الله‏)‏ بنِ المباركِ أنه قال‏:‏ أكرَهُ اليومَ الخروجَ للنساءِ في العيدَينِ، فإِن أَبَتِ المرأةُ إلاّ أَنْ تخْرُجَ فَلْيَأْذَنْ لها زوجُها أن تَخْرُجَ في أَطْمارِها ‏(‏الخُلْقَانِ‏)‏ ولا تَتَزَيّنْ، فان أَبَتْ أَن تَخْرُجَ كذلكَ فللزوجِ أن يمنعَها عن الخروجِ‏.‏

وَيُرْوَى عن عائشةَ ‏(‏رضي الله عنها‏)‏ قالت‏:‏ لو رأَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لَمَنَعَهُنّ المسجدَ كما مُنِعَتْ نساءُ بني إسرائيل‏.‏

وَيُرْوَى عن سفيانَ الثوريّ أنه كَرِهَ اليومَ الخروجَ للنساءِ إلى العيد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كان يخرج الأبكار‏)‏ جمع البكر‏.‏ قال في القاموس‏:‏ البكر بالكسر العذراء جمعه أبكار ‏(‏والعواتق‏)‏ جمع عاتق وهي المرأة الشابة أول ما تدرك، وقيل هي التي لم تبن من والديها ولم تتزوج بعد إدراكها، وقيل هي التي قاربت البلوغ‏.‏ وقال ابن السكيت‏:‏ هي ما بين أن تدرك إلى أن تعنس ولم تزوج كذا في قوت المغتذى‏.‏ وقال الحافظ في الفتح‏:‏ وهي من بلغت الحلم أو قاربت واستحقت التزويج، أو هي الكريمة على أهلها، أو التي عتقت عن الامتهان في الخروج للخدمة، قال‏:‏ وبين العاتق والبكر عموم وخصوص وجهي انتهى‏.‏ ‏(‏وذوات الخدور‏)‏ جمع الخدر قال الجزري في النهاية‏:‏ الخدر ناحية في البيت يترك عليها ستر فتكون فيه الجارية البكر انتهى ‏(‏والحيض‏)‏ بضم الحاء وتشديد التحتية المفتوحة جمع حائض ‏(‏فيعتزلن المصلى‏)‏ هو خبر بمعنى الأمر قال في الفتح‏:‏ حملة الجمهور على الندب لأن المصلى ليس بمسجد فيمتنع الحيض من دخوله‏.‏ وقال ابن المنير‏:‏ الحكمة في اعتزالهن أن في وقوفهن وهن لا يصلين مع المصليات إظهار استهانة بالحال فاستحب لهن اجتناب ذلك ‏(‏ويشهدن‏)‏ أي يحضرن ‏(‏إن لم يكن لها جلباب‏)‏ بكسر الجيم قال الجزري‏:‏ الجلباب الإزار والرداء، وقيل الملحفة، وقيل هو كالمقنعة تغطي به المرأة رأسها وظهرها وصدرها جمعه جلابيب انتهى‏.‏ وقال في القاموس‏:‏ الجلباب كسرداب وسنمار القميص وثوب واسع للمرأة دون الملحفة أو ما يغطي به ثيابها من فوق كالملحفة أو هو الخمار انتهى‏.‏ ‏(‏فلتعرها‏)‏ من الإعارة ‏(‏أختها‏)‏ أي صاحبتها ‏(‏من جلبابها‏)‏ أي فلتعرها من ثيابها ما لا تحتاج إليه، وفي رواية الشيخين‏:‏ لتلبسها صاحبتها من جلباها‏.‏

قال الحافظ‏:‏ يحتمل أن يكون للجنس أي تعيرها من جنس ثيابها، ويؤيده رواية ابن خزيمة من جلابيبها وللترمذي‏:‏ فلتعرها أختها من جلابيبها، ويحتمل أن يكون المراد تشركها معها في ثوبها، ويؤيدها رواية أبي داود‏:‏ تلبسها صاحبتها طائفة من ثوبها يعني إذا كان واسعاً‏.‏ ويحتمل أن يكون المراد بقوله ثوبها جنس الثياب فيرجع للأول‏.‏ ويؤخذ منه جواز اشتمال المرأتين في ثوب واحد عند التستر وقيل إنه ذكر على سبيل المبالغة أي يخرجن على كل حال ولو اثنتين في جلباب انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن ابن عباس وجابر‏)‏ أما حديث ابن عباس فأخرجه ابن ماجه بلفظ‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج بناته ونساءه في العيدين، وفي إسناده الحجاج بن أرطأة وهو مختلف فيه، وقد رواه الطبراني من وجه آخر‏.‏ وأما حديث جابر فأخرجه أحمد بلفظ‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج في العيدين ويخرج أهله، وفي إسناده الحجاج المذكور‏.‏ وفي الباب أيضاً عن ابن عمر عند الطبراني في الكبير وعن ابن عمرو بن العاص عنده أيضاً وعن عائشة عند ابن أبي شيبة في المصنف وأحمد في المسند ولعائشة حديث آخر عند الطبراني في الأوسط وعن عمرة أخت عبد الله بن رواحة عند أحمد وأبي يعلى والطبراني في الكبير، وقد ذكر الشوكاني أحاديث هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم في النيل‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث أم عطية حديث حسن صحيح‏)‏ أخرجه الجماعة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا الحديث ورخص للنساء في الخروج إلى العيدين‏)‏ واحتجوا بأحاديث الباب فإنها قاضية بمشروعية خروج النساء في العيدين إلى المصلى من غير فرق بين البكر والثيب والشابة والعجوز والحائض وغيرها ‏(‏وروي عن ابن المبارك أكره اليوم الخروج للنساء في العيدين إلخ‏)‏‏.‏

قال الشوكاني في النيل‏:‏ إختلف العلماء في خروج النساء إلى العيدين على أقوال‏:‏ إحداها أن ذلك مستحب، وحملوا الأمر فيه على الندب، ولم يفرقوا بين الشابة والعجوز، وهذا قول أبي حامد من الحنابلة والجرجاني من الشافعية وهو ظاهر إطلاق الشافعي‏.‏ والقول الثاني التفرقة بين الشابة والعجوز‏.‏ قال العراقي‏:‏ وهو الذي عليه جمهور الشافعية تبعا لنص الشافعي في المختصر‏.‏ والقول الثالث أنه جائز غير مستحب لهن مطلقاً، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد فيما نقله عنه ابن قدامة والرابع أنه مكروه وقد حكاه الترمذي عن الثوري وابن المبارك، وهو قول مالك وأبي يوسف وحكاه ابن قدامة عن النخعي ويحيى بن سعيد الأنصاري، وروى ابن أبي شيبة عن النخعي أنه كره للشابة أن تخرج إلى العيد‏.‏ والقول الخامس أنه حق على النساء الخروج إلى العيد، حكاه القاضي عياض عن أبي بكر وعلي وابن عمر‏.‏ وقد روى ابن أبي شيبة عن أبي بكر وعلي أنهما قالا‏:‏ حق على كل ذات نطاق الخروج إلى العيدين انتهى‏.‏ والقول بكراهة الخروج على الاطلاق رد للأحاديث الصحيحة بالاَراء الفاسدة وتخصيص الثواب يأباه صريح الحديث المتفق عليه وغيره انتهى كلام الشوكاني ‏(‏في أطمارها‏)‏ جمع طمر بالكسر وسكون الميم الثوب الخلق أو الكساء البالي من غير الصوف قاله في القاموس ‏(‏ويروى عن عائشة قالت‏:‏ لو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء أخرجه الشيخان، واستدل بهذا على منع خروج النساء إلى العيدين والمسجد مطلقاً‏)‏‏.‏ ورد بأنه لا يترتب على ذلك تغير الحكم لأنها علقته على شرط لم يوجد بناء على ظن ظنته فقالت‏:‏ لو رأى لمنع، فيقال عليه لم ير ولم يمنع فاستمر الحكم حتى إن عائشة لم تصرح بالمنع، وإن كان كلامها يشعر بأنها كانت ترى المنع‏.‏

وأيضاً فقد علم الله سبحانه ما سيحدثن فما أوحى إلى نبيه بمنعهن، ولو كان ما أحدثن يستلزم منعهن من المساجد لكان منعهن من غيرها كالأسواق أولى‏.‏

وأيضاً فالإحداث إنما وقع من بعض النساء لا من جميعهن، فإن تعين المنع فليكن لمن أحدثت، قال الحافظ في الفتح‏:‏ وقال فيه‏:‏ والأولى أن ينظر إلى ما يخشى منه الفساد فيجتنب لإشارته صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بمنع التطيب والزينة وكذلك التقييد بالليل‏.‏ وقال في شرح حديث أم عطية في باب إذا لم يكن لها جلباب من أبواب العيدين‏:‏ وقد ادعى بعضهم النسخ فيه‏.‏ قال الطحاوي وأمره عليه السلام بخروج الحيض وذوات الخدور إلى العيد يحتمل أن يكون في أول الإسلام والمسلمون قليل فأريد التكثير بحضورهن إرهاباً للعدو‏.‏ وأما اليوم فلا يحتاج إلى ذلك‏.‏

وتعقب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال‏.‏ قال الكرماني‏:‏ تاريخ الوقت لا يعرف، قال الحافظ بل هو معروف بدلالة حديث ابن عباس أنه شهده وهو صغير وكان ذلك بعد فتح مكة، فلم يتم مراد الطحاوي، وقد صرح في حديث أم عطية بعلة الحكم وهو شهودهن الخير ودعوة المسلمين ورجاء بركة ذلك اليوم وطهرته، وقد أفتت به أم عطية بعد النبي صلى الله عليه وسلم بمدة كما في هذا الحديث ولم يثبت عن أحد من الصحابة مخالفتها في ذلك‏.‏ قال‏:‏ والأولى أن يخص بمن بؤمن عليها وبها الفتنة ولا يترتب على حضورها محذور ولا تزاحمها الرجال في الطرق ولا في المجامع انتهى كلام الحافظ باختصار ‏(‏ويروي عن سفيان الثوري أنه كره اليوم الخروج للنساء إلى العيد‏)‏ وهو قول الحنفية في حق الشواب، وأما العجائز فقد جوز الشيخ ابن الهمام وغيره خروجهن إلى العيد‏.‏ قال ابن الهمام‏:‏ وتخرج العجائز للعيد لا الشواب انتهى‏.‏ قال القاري في المرقاة بعد نقل كلام ابن الهمام هذا ما لفظه‏:‏ وهو قول عدل لكن لا بد أن يقيد بأن تكون غير مشتهاة في ثياب بذلة بإذن حليلها مع الأمن من المفسدة بأن لا يختلطن بالرجال أو يكن خاليات من الحلي والحلل والبخور والشموم والتبختر والتكشف ونحوها مما أحدثن في هذا الزمان من المفاسد‏.‏ وقد قال أبو حنيفة‏:‏ ملازمات البيوت لا يخرجن انتهى‏.‏

قلت‏:‏ لا دليل على منع الخروج إلى العيد للشواب مع الأمن من المفاسد مما أحدثن في هذا الزمان بل هو مشروع لهن وهو القول الراجح كما عرفت والله تعالى أعلم‏.‏

385- باب ما جَاء في خروج النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى العيدِ في طريقٍ ورجُوعِه من ‏(‏طريقٍ‏)‏ آخر

537- حدثنا عبدُ الأعْلَى بن وَاصِلِ ‏(‏بن عبدِ الأعْلَى‏)‏ الكوفيّ و أَبو زُرْعَةَ قالا‏:‏ حدثنا محَمّدُ بن الصَلتِ عن فُلَيحِ بنِ سليمانَ عن سعيدِ بن الحارثِ عن أبي هريرةَ قال ‏"‏كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرجَ يومَ العيدِ في طريقٍ رَجَعَ في غيرهِ‏"‏‏.‏

‏(‏قال‏)‏‏:‏ وفي البابِ عن عبدِ الله بن عُمَر وَأبي رافعٍ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ ‏(‏و‏)‏ حديثُ أبي هريرةَ حديثٌ حسنٌ غريبٌ‏.‏

وَرَوَى أَبو تُمَيْلَةَ ويونسُ بن محّمدٍ هذا الحديثَ عن فُلَيحِ بن سليمانَ عن سعيدِ بن الحارثِ عن جابرِ بن عبدِ الله‏.‏

‏(‏قال‏)‏‏:‏ وقد استحبّ بعضُ أهلِ العلمِ للإمامِ إذا خرجَ في طريقٍ أنْ يرجعَ في غيرِه إتّباعاً لهذا الحديثِ‏.‏ وهو قولُ الشافعيّ‏.‏

‏(‏وحديثُ جَابرٍ كأَنّهُ أَصَحّ‏)‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إذا خرج يوم العيد في طريق رجع في غيره‏)‏، وفي رواية أحمد‏:‏ إذا خرج إلى العيد يرجع في غير الطريق الذي خرج فيه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن عبد الله بن عمر‏)‏ أخرجه أبو داود وابن ماجه ورجال اسناد ابن ماجه ثقات، وفي إسناد أبي داود عبد الله بن عمر العمري وفيه مقال ‏(‏وأبي رافع‏)‏ أخرجه ابن ماجه وإسناده ضعيف، وفي الباب أحاديث أخرى ذكرها الشوكاني في النيل‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث أبي هريرة حديث حسن‏)‏، وأخرجه أحمد والدارمي وابن حبان والحاكم وعزاه صاحب المنتقى إلى مسلم، ولم أر حديث أبي هريرة هذا في صحيح مسلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏روى أبو تميلة‏)‏ بضم المثناة من فوق مصغراً اسمه يحيى بن واضح، وحديث جابر من هذا الطريق أخرجه البخاري في صحيحه بلفظ‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم عيد خالف الطريق‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قد استحب بعض أهل العلم للإمام إذا خرج في طريق أن يرجع في غيره اتباعاً لهذا الحديث‏)‏، قال أبو الطيب السندي‏:‏ الظاهر أنه تشريع عام فيكون مستحباً لكل أحد ولا تخصيص بالإمام إلا إذا ظهر أنه لمصلحة مخصوصة بالأئمة فقط وهو بعيد لأن فعله ما كان لكونه مشرعاً انتهى ‏(‏وهو قول الشافعي‏)‏ قال الحافظ في الفتح بعد نقل كلام الترمذي هذا ما لفظه، والذي في الأم أنه يستحب للإمام والمأموم وبه قال أكثر الشافعية، وقال الرافعي‏:‏ لم يتعرض في الوجيز إلا للإمام انتهى‏.‏ وبالتعميم قال أكثر أهل العلم انتهى‏.‏ قلت‏:‏ وبالتعميم قال الحنفية أيضاً‏.‏ وقد اختلف في الحكمة في مخالفته صلى الله عليه وسلم الطريق في الذهاب والرجوع يوم العيد على أقوال كثيرة، قال الحافظ‏:‏ اجتمع لي منها أكثر من عشرين قولاً، قال القاضي عبد الوهاب المالكي‏:‏ ذكر في ذلك فوائد بعضها قريب وأكثرها دعاوي فارغة، فقيل إنه فعل ذلك ليشهد له الطريقان، وقيل سكانهما من الجن والإنس‏.‏ وقيل ليسوى بينهما في مزية الفضل بمروره أو في التبرك به أو ليشم رائحة المسك من الطريق التي يمر بها لأنه كان معروفاً بذلك، وقيل ليزور أقاربه الأحياء والأموات، وقيل ليصل رحمه، وقيل ليتفاءل بتغير الحال إلى المغفرة والرضا، وقيل لإظهار شعار الإسلام فيهما وقيل لإظهار ذكر الله، وقيل ليغيظ المنافقين أو اليهود، وقيل ليرهبهم بكثرة من معه، وقيل فعل ذلك ليعمهم في السرور به أو التبرك بمروره وبرؤيته والانتفاع به في قضاء حوائجهم في الاستفتاء أو التعلم والاقتداء والاسترشاد أو الصدقة أو السلام عليهم وغير ذلك، وقيل لأن الملائكة تقف في الطرقات فأراد أن يشهد له فريقان منهم، وقيل لئلا يكثر الازدحام، وقيل لأن عدم التكرار أنشط عند طباع الأنام، وقيل غير ذلك، وأشار صاحب الهدى إلى أنه فعل ذلك لجميع ما ذكر من الأشياء المحتملة القريبة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وحديث جابر كأنه أصح‏)‏ أي من حديث أبي هريرة قال الحافظ في الفتح‏:‏ والذي يغلب على الظن أن الاختلاف فيه من فليح فلعل شيخه سمعه جابر ومن أبي هريرة ويقوي ذلك اختلاف اللفظين، وقد رجح البخاري أنه عن جابر وخالفه أبو مسعود والبيهقي فرجحا أنه عن أبي هريرة ولم يظهر لي في ذلك ترجيح انتهى كلام الحافظ‏.‏

386- باب ‏(‏ما جاء‏)‏ في الأكْلِ يومَ الفِطْرِ قَبلَ الخرُوج

538- حدثنا الحسنُ بن الصَبّاحِ البَزّارُ البغدادي، حدثنا عبدُ الصّمَدِ بن عبدِ الوارثِ عن ثَوَابِ بن عُتْبةَ عن عبدِ الله بن بُرَيْدَةَ عن أَبيهِ قال‏:‏ ‏"‏كان النبيّ صلى الله عليه وسلم لا يخرجُ يومَ الفطرِ حتى يَطْعمَ، ولاَ يَطْعَمُ يومَ الأضْحَى حتى يُصَلّيَ‏"‏‏.‏

‏(‏قال‏)‏‏:‏ وفي الباب عن علي وأَنِسٍ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ بُرَيْدَةَ بنِ حُصَيْبٍ الأسلَمِيّ حديثٌ غريبٌ‏.‏ وقال محّمدٌ‏:‏ لا أَعرفُ لَثَوابِ بن عُتْبَةَ غيرَ هذا الحدِيثِ‏.‏

وقد استَحبّ قومٌ مِن أَهلِ العلمِ أَن لا يَخْرُجَ يَوْمَ الفِطْرِ حتى يَطْعَمَ شيئاً‏.‏ ويُسْتَحبّ له أَن يُفْطِرَ على تَمْرٍ ولا يطْعَمُ يومَ الأضحى حتى يَرجِعَ‏.‏

539- حدثنا قُتَيْبةُ حدثنا هشيمٌ عن محمدِ بنِ إسحاقَ عن حفصِ بنِ عُبَيْدِ الله بن أنَسٍ عن أنَسٍ بن مالكٍ ‏"‏أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يُفْطِرُ على تَمْرَاتٍ يومَ الفِطرِ قبل أن يخرجَ إلى المصَلّى‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن ثواب بن عتبة‏)‏ بفتح المثلثة وتخفيف الواو وآخره موحدة، ليس له عند المصنف إلا هذا الحديث وليس له في بقية الكتب شيء قاله السيوطي، وقال الحافظ في التقريب‏:‏ مقبول من السادسة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حتى يطعم‏)‏ بفتح العين أي يأكل‏.‏ قال المهلب بن أبي صفرة‏:‏ إنما يأكل يوم الفطر قبل الغدو إلى الصلاة، لئلا يظن ظان أن الصيام يلزم يوم الفطر إلى أن يصلي صلاة العيد، وهذا المعنى معدوم في يوم الأضحى‏.‏ وقال ابن قدامة‏.‏ الحكمة في ذلك أن يوم الفطر حرم فيه للصيام عقب وجوبه فاستحب تعجيل الفطر لإظهار المبادرة إلى طاعة الله وامتثال أمره في الفطر على خلاف العادة، والأضحى بخلافه على ما فيه من استحباب الفطر على شيء من أضحيته كذا في قوت المغتذي ‏(‏ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي‏)‏ وفي رواية ابن ماجه‏:‏ حتى يرجع، وزاد أحمد‏:‏ فيأكل من أضحيته، ورواه أبو بكر الأثرم بلفظ‏:‏ حتى يضحي، كذا في المنتقى والنيل‏.‏ وفي رواية البيهقي‏:‏ فيأكل من كبد أضحيته، كذا في عمدة القاري، ورواه الدارقطني في سننه وزاد‏:‏ حتى يرجع فيأكل من أضحيته، وهي زيادة صحيحة صححها ابن القطان كما في نصب الراية‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن علي‏)‏ أخرجه الترمذي وابن ماجه وفي إسناده الحارث الأعور كذبه الشعبي وأبو إسحاق السبيعي، وعلي بن المديني ‏(‏وأنس‏)‏ أخرجه البخاري بلفظ‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات، قال الحافظ في بلوغ المرام وفي رواية معلقة ووصلها أحمد‏:‏ ويأكلهن أفراداً‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث بريدة بن خصيب‏)‏ بضم الخاء المعجمة وفتح الصاد المهملة وسكون التحتية وآخره موحدة ‏(‏الأسلمي حديث غريب‏)‏ وأخرجه أحمد وصححه ابن حبان كذا في البلوغ‏.‏ وقال في النيل‏:‏ وأخرجه أيضاً ابن حبان والدارقطني والحاكم والبيهقي وصححه ابن القطان انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقد استحب قوم من أهل العلم أن لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم شيئاً، ويستحب له أن يفطر على تمر‏)‏ قال ابن قدامة‏:‏ لا نعلم في استحباب تعجيل الأكل يوم الفطر اختلافاً انتهى‏.‏ وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود التخيير فيه، وعن النخعي أيضاً مثله‏.‏ والحكمة في استحباب التمر لما في الحلو من تقوية البصر الذي يضعفه الصوم، ولأن الحلو مما يوافق الإيمان ويعلو به المنام وهو أيسر من غيره، ومن ثم استحب بعض التابعين أنه يفطر على الحلو مطلقاً كالعسل رواه ابن أبي شيبة عن معاوية بن قرة وابن سيرين وغيرهما، وروى فيه معنى آخر عن ابن عون أنه سئل عن ذلك فقال‏:‏ إنه يحبس البول، هذا كله في حق من يقدر على ذلك وإلا فينبغي أن يفطر ولو على الماء ليحصل له شبه من الاتباع، أشار إليه ابن أبي جمرة‏.‏ وأما جعلهن وتراً فقال المهلب فللإشارة إلى وحدانية الله تعالى، وكذلك كان صلى الله عليه وسلم يفعل في جميع أموره تبركاً بذلك كذا في الفتح ‏(‏ولا يطعم يوم الأضحى حتى يرجع‏)‏ أي فيأكل من أضحيته إن كان له أضحية كما في رواية أحمد‏.‏ وقد خصص أحمد بن حنبل استحباب تأخير الأكل في عيد الأضحى بمن له ذبح، والحكمة في تأخير الفطر في يوم الأضحى أنه يوم تشرع فيه الأضحية والأكل منها فشرع له أن يكون فطره على شيء منها قاله ابن قدامة‏.‏ قال الزين بن المنير‏:‏ وقع أكله صلى الله عليه وسلم في كل من العيدين في الوقت المشروع لإخراج صدقتهما الخاصة بهما، فإخراج صدقة الفطر قبل الغدو إلى المصلى، وإخراج صدقة الأضحية بعد ذبحها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كان يفطر على تمرات الخ‏)‏ وفي رواية لابن حبان والحاكم بلفظ‏:‏ ما خرج يوم فطر حتى يأكل تمرات ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً أو أقل من ذلك أو أكثر وتراً كذا في الفتح وعن جابر بن سمرة عند البزار في مسنده قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم الفطر أكل قبل أن يخرج سبع تمرات، وإذا كان يوم الأضحى لم يطعم شيئاً، وفي إسناده ناصح أبو عبد الله وهو ضعيف‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح غريب‏)‏ وأخرجه البخاري في صحيحه من طريق هشيم عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس عن أنس بن مالك

6- أبواب السفر‏.‏

387- باب ‏(‏ما جاء في‏)‏ التقْصِيرِ فِي السّفَر

540- حدثنا عبدُ الوهابِ ‏(‏بنُ عبدِ الحكَمِ‏)‏ الوَرّاقُ البَغدادِي حدثنا يحيى بن سُلَيْم عن عُبَيْدِ الله عن نافعٍ عن ابن عُمَرَ قال‏:‏ سَافَرْتُ مع النبيّ صلى الله عليه وسلم وأبي بكرٍ وعُمَر وعثمانَ فكانوا يُصَلّونَ الظهرَ والعصْرَ رَكْعَتَيْن رَكْعَتَيْنِ لا يُصَلّونَ قبلَها ولا بعدَها وقال عبد الله‏:‏ لو كنتُ مُصَلّياً قبْلَها أو بعدَها لأتمَمْتُهَا‏.‏

‏(‏قال‏)‏‏:‏ وفي الباب عن عُمَر وعلي وابنِ عباسٍ وأنَسٍ وعِمْرَانَ بن حُصَينٍ وعائشةَ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ ابنِ عُمَر حديثٌ ‏(‏حسنٌ‏)‏ غريبٌ لا نعرِفُهُ إلا من حديثِ يحيى بن سُلَيْمٍ مثلَ هذا‏.‏

قال مُحَمدُ بن إسماعيلَ‏:‏ وقد رُوِيَ هذا الحديثُ عن عُبَيْدِ الله بن عُمَر عن رجلٍ من آلِ سُرَاقَةَ عن عبدالله بن عُمَر‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وقد رُوِيَ عن عطيةَ العَوْفِيّ عن ابنِ عُمَرَ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يَتَطَوّعُ في السّفَرِ قبَل الصلاةِ وبعدَها وقد صحّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يَقْصُرُ في السفَرِ وأبو بكرٍ وعُمَرُ وعثمانُ صَدْراً من خلافتِهِ‏.‏

والعملُ على هذا عندَ أكثرِ أهلِ العلْمِ مِن أَصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيِرِهِمْ‏.‏

وقد رُوِيَ عن عائشَةَ أنها كانتْ تُتِمّ الصلاةَ في السّفرِ‏.‏

والعملُ على ما رُوِيَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِهِ‏.‏

وهو قولُ الشافعيّ وأحمدَ وإسحاقَ إلا أن الشافعيّ يقولُ‏:‏ التّقْصِيرُ رُخْصَةٌ ‏(‏له‏)‏ في السفرِ، فإِن أَتَمّ الصلاةَ أَجْزَأَ عنه‏.‏

541- حدثنا أَحمدُ بن مَنِيِعٍ حدثنا هُشَيْمٌ أخبرنا عليّ بن زَيْدِ بنِ جُدعَان ‏(‏القرشي‏)‏ عن أبي نَضْرةَ قال‏:‏ سُئِل عِمْرانُ بنُ حُصينٍ عن صَلاةِ المسافِرِ فقال‏:‏ حَجَجْتُ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فصلّى ركعَتيْنِ، وحَجَجْتُ مع أبي بكرٍ فصلّى ركعَتيْنِ، ومع عُمَر فصلّى ركعَتيْنِ، ومع عثمانَ سِتّ سِنِينَ مِن خِلاَفَتِهِ أو ثمانِي سنينَ فصلّى ركعَتيْنِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

542- حدثنا قُتَيْبةُ حدثنا سُفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن محمدِ بنِ المنْكَدِرِ و إبراهيمَ بنِ مَيَسرةَ سَمِعَا أنَسَ بنَ مالكٍ قال‏:‏ صلّيْنَا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم الظُهرَ بالمدينَةِ أربعاً، وبذِي الحُلَيْفَةِ العصْرَ رَكعَتيْنِ‏.‏

‏(‏قال أبو عيسى‏)‏‏:‏ هذا حديثٌ صحيحٌ‏.‏

543- حدثنا قُتَيْبةُ، حدثنا هُشَيمٌ عن منصورِ بنِ زاذَانَ عن ابنِ سِيرينَ عن ابنِ عبّاسٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏خرجَ من المدينَةِ إلى مكةَ لا يخَافُ إلاّ الله ربّ العالَمينَ فصلَى ركعتَيْنِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ ‏(‏حسن‏)‏ صحيح‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا عبد الوهاب بن عبد الحكم الوراق البغدادي‏)‏ صاحب أحمد روى عن يحيى بن سعيد الأموي ومعاذ بن معاذ، وعنه أبو داود والترمذي والنسائي‏.‏ قال أحمد‏:‏ قل من يرى مثله، وثقة النسائي والدارقطني توفي سنة 251 إحدى وخمسين ومائتين ‏(‏أخبرنا يحيى بن سليم‏)‏ بالتصغير الطائفي القرشي مولاهم المكي الخراز بمعجمة ثم مهملة وثقه ابن معين وابن سعد والنسائي إلا في عبيد الله بن عمر، وقال أبو حاتم‏:‏ محله الصدق ولم يكن بالحافظ ولا يحتج به، قال الخزرجي‏:‏ احتج به الأئمة الستة، وقال الحافظ في مقدمة فتح الباري‏:‏ وقال النسائي ليس به بأس وهو منكر الحديث عن عبيد الله بن عمر وقال الساجي‏:‏ أخطأ في أحاديث رواها عن عبيد الله بن عمر‏.‏

قال الحافظ‏:‏ لم يخرج له الشيخان من روايته عن عبيد الله بن عمر شيئاً انتهى ‏(‏عن عبيد الله‏)‏ هو ابن عمر العمري من الثقات الأثبات‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فكانوا يصلون الظهر والعصر ركعتين ركعتين‏)‏ وفي رواية الشيخين قال‏:‏ صحبت النبي صلى الله عليه وسلم وكان لا يزيد في السفر على ركعتين وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك وفي رواية لمسلم‏:‏ صحبت النبي صلى الله عليه وسلم فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله عز وجل، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله عز وجل وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله عز وجل وصحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله عز وجل‏.‏ وظاهر هذه الرواية وكذا الرواية التي ذكرها الترمذي أن عثمان لم يصل في السفر تماماً، وفي رواية لمسلم عن ابن عمر أنه قال‏:‏ ومع عثمان صدراً من خلافته ثم أتم، وفي رواية‏:‏ ثمان سنين أو ست سنين‏.‏ قال النووي‏:‏ وهذا هو المشهور أن عثمان أتم بعد ست سنين من خلافته وتأول العلماء هذه الرواية بأن عثمان لم يزد على ركعتين حتى قبضه الله في غير مني‏.‏ والرواية المشهورة بإتمام عثمان بعد صدر من خلافته محمولة على الإتمام بمني خاصة وقد صرح في رواية بأن إتمام عثمان كان بمني‏.‏ وفي الصحيحين أن عبد الرحمَن بن يزيد قال‏:‏ صلى بنا عثمان بمني أربع ركعات، فقيل في ذلك لعبد الله بن مسعود فاسترجع ثم قال‏:‏ صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر الصديق بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين، فليت حظي من أربع ركعتان متقبلتان‏.‏

واعلم أن عائشة رضي الله تعالى عنها أيضاً كانت تتم في السفر وسيأتي ذكر سبب إتمامها ‏(‏لا يصلون قبلها ولا بعدها‏)‏ أي لا يصلون السنن الرواتب قبلها ولا بعدها، وليس المراد به نفي التطوع في السفر مطلقاً‏.‏ وسيجيء تحقيق هذه المسألة في باب التطوع في السفر ‏(‏لو كنت مصلياً‏)‏ أي رواتب ‏(‏قبلها أو بعدها لأتممتها‏)‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ يعني أنه لو كان مخيراً بين الإتمام وصلاة الراتبة لكان الإتمام أحب إليه لكنه فهم من القصر التخفيف، فلذلك كان لا يصلي الراتبة ولا يتم انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن عمر وعلي وابن عباس وأنس وعمران بن حصين وعائشة‏)‏ أما حديث عمر فأخرجه مسلم‏.‏ وأما حديث على فأخرجه البزار قال‏:‏ صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف ركعتين إلا المغرب ثلاثاً، وصليت معه في السفر ركعتين إلا المغرب ثلاثا‏.‏ قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد‏:‏ في سنده الحارث وهو ضعيف‏.‏ وأما حديث ابن عباس فأخرجه مسلم‏.‏ وأما حديث أنس فأخرجه الشيخان‏.‏ وأما حديث عمران بن حصين فأخرجه أبو داود‏.‏ وأما حديث عائشة فأخرجه الشيخان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث ابن عمر حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث يحيى ابن سليم مثل هذا‏)‏ وقد عرفت ترجمة يحيى بن سليم، وأصل هذا الحديث في الصحيحين كما عرفته أيضاً‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقد روى عن عطية العوفي عن ابن عمر الخ‏)‏ أخرجه الترمذي في باب التطوع في السفر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم‏)‏ وهو القول الراجح المعول عليه ‏(‏وقد روي عن عائشة أنها كانت تتم الصلاة في السفر‏)‏ أخرجه البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ الصلاة أول ما فرضت ركعتان فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر‏.‏ قال الزهري‏:‏ فقلت لعروة‏:‏ فما بال عائشة تتم‏؟‏ قال‏:‏ تأولت ما تأول عثمان‏.‏ قال الحافظ في فتح الباري‏:‏ قد جاء عنها سبب الإتمام صريحاً وهو فيما أخرجه البيهقي من طريق هشام بن عروة عن أبيه‏:‏ أنها كانت تصلي في السفر أربعاً، فقلت لها‏:‏ لو صليت ركعتين‏؟‏ فقالت يا ابن أختي إنه لا يشق علي، إسناده صحيح وهو دال على أن القصر رخصة، وأن الإتمام لمن لا يشق عليه أفضل انتهى كلام الحافظ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق إلا أن الشافعي يقول التقصير رخصة له في السفر فإن أتم الصلاة أجزأ عنه‏)‏‏.‏ قد اختلف أهل العلم هل القصر واجب أو رخصة والتمام أفضل‏؟‏ فذهب إلى الأول الحنفية، وروي عن علي وعمر ونسبه النووي إلى كثير من أهل العلم‏.‏ قال الخطابي في المعالم‏:‏ كان مذهب أكثر علماء السلف وفقهاء الأمصار على أن القصر هو الواجب في السفر وهو قول علي وعمر وابن عمر وابن عباس، وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز وقتادة والحسن، وقال حماد بن سليمان‏:‏ يعيد من يصلي في السفر أربعاً، وقال مالك‏:‏ يعيد ما دام في الوقت انتهى، وذهب إلى الثاني الشافعي ومالك وأحمد قال النووي‏:‏ وأكثر العلماء، وروي عن عائشة وعثمان وابن عباس‏.‏ قال ابن المنذر‏:‏ وقد أجمعوا على أنه لا يقصر في الصبح ولا في المغرب‏.‏

واحتج القائلون بوجوب القصر بحجج منها‏:‏ ملازمته صلى الله عليه وسلم للقصر في جميع أسفاره، ولم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم بحديث صحيح أنه أتم الرباعية في السفر البتة‏.‏ كما قال ابن القيم‏.‏ وأما حديث عائشة‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر في السفر ويتم ويفطر ويصوم رواه الدارقطني فهو حديث فيه كلام لا يصلح للاحتجاج وإن صحح الدارقطني إسناده، وكذا حديثها قالت‏:‏ خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة في رمضان فأفطر وصمت وقصر وأتممت فقلت بأبي وأمي أفطرت وصمت وقصرت وأتممت، فقال أحسنت يا عائشة‏.‏ رواه الدارقطني، لا يصلح للاحتجاج وإن حسن الدارقطني إسناده‏.‏ وقد بين الشوكاني في النيل عدم صلاحيتهما للاحتجاج في النيل بالبسط، من شاء الوقوف عليه فليرجع إليه‏.‏

ويجاب عن هذه الحجة بأن مجرد الملازمة لا يدل على الوجوب كما ذهب إلى ذلك جمهور أئمة الأصول وغيرهم‏.‏

ومنها حديث عائشة المتفق عليه بألفاظ منها‏:‏ فرضت الصلاة ركعتين فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر، قالوا هو دليل ناهض على الوجوب لأن صلاة السفر إذا كانت مفروضة ركعتين لم تجز الزيادة عليها، كما أنها لا تجوز الزيادة على أربع في الحضر‏.‏

ويجاب عنه بأنه من قول عائشة غير مرفوع وأنها لم تشهد زمان فرض الصلاة‏.‏ وفي هذا الجواب نظر أما أولاً فهو مما لا مجال للرأي فيه فله حكم الرفع، وأما ثانياً فعلى تقدير تسليم أنها لم تدرك القصة مرسل صحابي وهو حجة‏.‏

وبجاب أيضاً بأنه ليس هو على ظاهره فإنه لو كان على ظاهره لما أتمت عائشة حديث ابن عباس أنه قال‏:‏ إن الله عز وجل فرض الصلاة على لسان نبيكم، على المسافر ركعتين وعلى المقيم أربعاً والخوف ركعة أخرجه مسلم قالوا‏:‏ هذا الصحابي الجليل قد حكى عن الله تعالى أنه فرض صلاة السفر ركعتين وهو أتقى لله وأخشى من أن يحكى أن الله فرض ذلك بلا برهان‏.‏

ومنها حديث عمر رضي الله عنه أنه قال‏:‏ صلاة السفر ركعتان وصلاة الأضحى ركعتان وصلاة الفطر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان تمام من غير قصر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ رواه أحمد والنسائي وابن ماجه قال في النيل‏:‏ رجاله رجال الصحيح إلا يزيد بن زياد بن أبي الجعد وقد وثقه أحمد وابن معين‏.‏ قال ابن القيم في الهدى‏:‏ هو ثابت عنه‏.‏

واحتج القائلون بأن القصر رخصة والتمام أفضل بحجج منها‏:‏ قول الله تعالى ‏(‏ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة‏)‏ ونفي الجناح لا يدل على العزيمة بل على الرخصة وعلى أن الأصل التمام والقصر إنما يكون من شيء أطول منه‏.‏

وأجيب بأن الاَية وردت في قصر الصفة في صلاة الخوف لا في قصر العدد لما علم من تقدم شرعية قصر العدد‏.‏

ومنها‏:‏ قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته‏"‏، أخرجه الجماعة إلا البخاري‏.‏ قالوا‏:‏ الظاهر من قوله صدقة أن القصر رخصة فقط‏.‏

وأجيب بأن الأمر بقبولها يدل على أنها لا محيص عنها وهو المطلوب‏.‏

ومنها‏:‏ ما في صحيح مسلم وغيره أن الصحابة كانوا يسافرون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنهم القاصر ومنهم المتم، ومنهم الصائم ومنهم المفطر لا يعيب بعضهم على بعض، كذا قال النووي في شرح مسلم قال الشوكاني في النيل‏:‏ لم نجد في صحيح مسلم قوله‏:‏ فمنهم القاصر ومنهم المتم، وليس فيه إلا أحاديث الصوم والإفطار انتهى‏.‏ قلت‏:‏ لم نجد أيضاً هذا اللفظ في صحيح مسلم‏.‏ قال‏:‏ وإذا ثبت ذلك فليس فيه‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم اطلع على ذلك وقرره عليهم وقد نادت أقواله وأفعاله بخلاف ذلك‏.‏

ومنها‏:‏ حديث عائشة‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر في السفر ويتم ويفطر ويصوم، أخرجه الدارقطني، وقد تقدم وقد عرفت هناك أنه لا يصلح للاحتجاج‏.‏ هذا كله تلخيص ما ذكره القاضي الشوكاني في النيل مع زيادة واختصار‏.‏ وقال الشوكاني في آخر كلامه‏:‏ وهذا النزاع في وجوب القصر وعدمه، وقد لاح من مجموع ما ذكرنا رجحان القول بالوجوب‏.‏ وأما دعوى أن التمام أفضل فمدفوعة بملازمته صلى الله عليه وسلم في جميع أسفاره وعدم صدور التمام عنه، ويبعد أن يلازم صلى الله عليه وسلم طول عمره المفضول ويدع الأفضل انتهى‏.‏

قلت‏:‏ من شأن متبعي السنن النبوية ومقتفي الآثار المصطفوية أن يلازموا القصر في السفر كما لازمه صلى الله عليه وسلم ولو كان القصر غير واجب فاتباع السنة في القصر في السفر هو المتعين‏.‏ ولا حاجة لهم أن يتموا في السفر ويتأولوا كما تأولت عائشة وتأول عثمان رضي الله عنهما‏.‏ هذا ما عندي والله تعالى أعلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ومع عثمان ست سنين من خلافته أو ثمان سنين فصلى ركعتين‏)‏، وفي حديث ابن عمر عند مسلم‏:‏ ثم إن عثمان صلى بعد أربعاً، وعند البخاري ثم أتمها‏.‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ والمنقول أن سبب إتمام عثمان أنه كان يرى القصر مختصاً بمن كان شاخصاً سائراً‏.‏ وأما من أقام في مكان في أثناء سفره فله حكم المقيم فيتم، والحجة فيه ما رواه أحمد بإسناد حسن عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال‏:‏ لما قدم علينا معاوية حاجاً صلى بنا الظهر ركعتين بمكة ثم انصرف إلى دار الندوة فدخل عليه مروان وعمرو بن عثمان فقالا‏:‏ لقد عبت أمر ابن عمك لأنه كان قد أتم الصلاة‏.‏ قال‏:‏ وكان عثمان حيث أتم الصلاة إذا قدم مكة صلى بها الظهر والعصر والعشاء أربعاً أربعاً، ثم إذا خرج إلى منى وعرفة قصر الصلاة، فإذا فرغ من الحج وأقام بمنى أتم الصلاة‏.‏

وقال ابن بطال‏:‏ الوجه الصحيح في ذلك أن عثمان وعائشة كانا يريان أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قصر لأنه أخذ بالأيسر من ذلك على أمته فأخذا لأنفسهما بالشدة انتهى‏.‏ وهذا رجحه جماعة من آخرهم القرطبي، لكن الوجه الذي قبله أولى لتصريح الراوي بالسبب انتهى كلام الحافظ وذكر سبباً آخر فقال‏:‏ روى الطحاوي وغيره عن الزهري قال‏:‏ إنما صلى عثمان بمنى أربعاً لأن الأعراب كانوا أكثروا في ذلك العام فأحب أن يعلمهم أن الصلاة أربع، وروى البيهقي من طريق عبد الرحمَن بن حميد بن عوف عن أبيه عن عثمان أنه أتم بمنى ثم خطب فقال‏:‏ إن القصر سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه ولكنه حدث طغام يعني بفتح الطاء والمعجمة فخفت أن يستنوا، وعن ابن جريج أن أعرابياً ناداه في منى‏:‏ يا أمير المؤمنين ما زلت أصليها منذ رأيتك عام أول ركعتين، وهذه طرق يقوي بعضها بعضاً ولا مانع أن يكون هذا أصل سبب الإتمام، وليس بمعارضة للوجه الذي اخترته بل يقويه من حيث أن حالة الإقامة في أثناء السفر أقرب إلى قياس الإقامة المطلقة عليها بخلاف السائر، وهذا ما أدى إليه اجتهاد عثمان انتهى‏.‏

واعلم أنه قد ذكر لإتمام عثمان الصلاة في منى أسباب أخرى ولم أتعرض لذكرها فإنها لا دليل عليها بل هي ظنون ممن قالها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث صحيح‏)‏ في إسناده علي بن زيد بن جدعان، قال الحافظ في التقريب‏:‏ ضعيف، وقال في التلخيص‏:‏ حسنه الترمذي وعلي ضعيف انتهى‏.‏

قلت‏:‏ علي بن زيد بن جدعان عند الترمذي صدوق كما في الميزان وغيره فلأجل ذلك حسنه وصححه على أن لهذا الحديث شواهد، وكم من حديث ضعيف قد حسنه الترمذي لشواهده‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وابراهيم بن ميسرة‏)‏ الطائفي نزيل مكة ثبت حافظ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏صلينا مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر بالمدينة أربعاً‏)‏ أي في اليوم الذي أراد فيه الخروج إلى مكة للحج أو العمرة ‏(‏وبذي الحليفة ركعتين‏)‏ ذو الحليفة بضم الحاء المهملة وفتح اللام موضع على ثلاثة أميال من المدينة على الأصح وهو ميقات أهل المدينة، وإنما صلى بذي الحليفة ركعتين لأنه كان في السفر‏.‏

واعلم أنه لا يجوز القصر إلا بعد مفارقة بنيان البلد عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد ورواية عن مالك، وعنه أنه يقصر إذا كان من المصر على ثلاثة أميال، وقال بعض التابعين إنه يجوز أن يقصر من منزله‏:‏ وروى ابن أبي شيبة عن علي رضي الله عنه أنه خرج من البصرة فصلى الظهر أربعاً ثم قال‏:‏ إنا لو جاوزنا هذا الخص لصلينا ركعتين‏.‏ ذكره ابن الهمام، كذا في المرقاة‏.‏ قلت‏:‏ وروى عبد الرزاق في مصنفه أخبرنا سفيان الثوري عن داود بن أبي هند أن علياً لما خرج إلى البصرة رأى خصاً فقال لولا هذا الخص لصليت ركعتين، قلت‏:‏ وما الخص قال بيت من قصب‏.‏ وذكر البخاري تعليقاً فقال‏:‏ وخرج علي فقصر وهو يرى البيوت فلما رجع قيل له‏:‏ هذه الكوفة قال لا حتى ندخلها‏.‏ وروى أيضاً أخبرنا عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه كان يقصر الصلاة حين يخرج من شعب المدينة ويقصر إذا رجع حتى يدخلها، كذا في نصب الراية‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏خرج من المدينة إلى مكة لا يخاف إلا رب العالمين فصلى ركعتين‏)‏، فيه رد على من زعم أن القصر مختص بالخوف، والذي قال ذلك تمسك بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أو تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا‏}‏، ولم يأخذ الجمهور بهذا المفهوم فقيل لأن شرط مفهوم المخالفة أن لا يكون خرج مخرج الغالب، وقيل‏:‏ هو من الأشياء التي شرع الحكم فيها بسبب ثم زال السبب وبقي الحكم كالرمل، وقيل المراد بالقصر في الاَية قصر الصلاة بالخوف إلى ركعة وفيه نظر‏.‏ لما رواه مسلم من طريق يعلى بن أمية وله صحبة‏.‏ أنه سأل عمر عن قصر الصلاة في السفر فقال‏:‏ إنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال‏:‏ صدقة تصدق الله بها عليكم‏.‏ فهذا ظاهر في أن الصحابة فهموا من ذلك قصر الصلاة في السفر مطلقاً لا قصرها في الخوف خاصة، وفي جواب عمر رضي الله عنه إشارة إلى القول الثاني‏.‏ وروى السراج عن أبي حنظلة قال‏:‏ سألت ابن عمر عن الصلاة في السفر فقال‏:‏ ركعتان، فقلت‏.‏ إن الله عز وجل قال‏.‏ ‏(‏إن خفتم‏)‏ ونحن آمنون، فقال‏:‏ سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يرجع القول الثاني، كذا في فتح الباري‏.‏

قوله‏.‏ ‏(‏هذا حديث صحيح‏)‏ قال الحافظ في الفتح، وصححه النسائي‏.‏

388- باب ما جاءَ في كَمْ تُقصَرُ الصّلاة

‏(‏باب ما جاء في كم تقصر الصلاة‏)‏ يريد بيان المدة التي إذا أراد المسافر الإقامة في موضع إلى تلك المدة يتم الصلاة، وإذا أراد الإقامة إلى أقل منها يقصر وقد عقد البخاري في صحيحه باباً بلفظ‏:‏ باب في كم تقصر الصلاة‏.‏ لكنه أراد بيان المسافة التي أراد المسافر الوصول إليها جاز له القصر ولا يجوز له في أقل منها‏.‏

544- حدثنا أَحمدُ بُن مَنيعٍ، حدثنا هُشَيمٌ، أَخبرنا يَحيَى بنُ أَبي إسحاقَ ‏(‏الْحضْرمي‏)‏ حدثنا أَنسُ بنُ مالكٍ قال‏:‏ ‏"‏خرجْنا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم من المدِينَةِ إلى مَكةَ فصلّى ركعَتيْنِ، قالَ قلتُ لأنسٍ‏:‏ كَمْ أَقامَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بمكةَ‏؟‏ قالَ عشْراً‏"‏‏.‏

‏(‏قال‏)‏‏:‏ وفي الباب عن ابنِ عباسٍ وجابرٍ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ أَنَسٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

وقد رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ‏"‏أَنه أَقامَ في بعضِ أَسْفارِهِ تِسْعَ عَشرَةَ يُصَلّي رَكعَتيْنِ قال ابنُ عباسٍ‏:‏ فنحنُ إذا أَقَمْنَا ما بينَنَا وبينَ تِسْع عشرةَ صلّينا ركعَتيْنِ وإن زِدْنَا على ذلك أَتْمَمْنَا الصّلاةَ‏"‏‏.‏

وَرُوِيَ عن علي أنّه قال‏:‏ مَن أَقامَ عَشْرةَ أَيامٍ أَتَمّ الصّلاةَ‏.‏

وَرُوِيَ عن ابنِ عُمَر أَنه قال‏:‏ مَنْ أَقامَ خمسةَ عَشَر يوماً أَتَمّ الصّلاةَ‏.‏ وَ قد رُوِيَ عنه ثِنْتَيْ عَشْرَةَ‏.‏

وَرُوِيَ عن سعيدِ بن المسيّب أَنهُ قال‏:‏ إذا أَقامَ أَربعاً صلّى أربعاً‏.‏

وَرَوَى عند ذلك قَتَادَةُ وعطاءُ الخراسانيّ وَرَوَى عنه داودُ بن أبي هِنْد خِلاَفَ هذا‏.‏ واخْتَلَفَ أَهلُ العِلم بَعْدُ في ذلك‏.‏

فَأَمّا سُفيانُ الثوريّ وأهلُ الكوفِة فذَهبوا إلى تَوْقِيتِ خَمس عَشْرَةَ، وقالوا‏:‏ إذا أَجْمَع على إقامِة خمس عَشْرَةَ أَتَمّ الصّلاةَ‏.‏

وقال الأوزاعيّ‏:‏ إذا أجْمَعَ على إِقامةِ ثنَتَيْ عَشْرَة أتَمّ الصّلاة‏.‏

وقال مالك ‏(‏بن أنس‏)‏ والشافعيّ وأَحمدُ‏:‏ إذا أَجْمَعَ على إقامِة أربعة أَتَمّ الصّلاةَ‏.‏

وأما إسحاقُ فرأَى أَقْوَى المذاهبِ فيه حديثَ ابنِ عباسٍ، قال‏:‏ لأنه رُوِيَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، ‏(‏ثم تَأَوّلَهُ بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم‏)‏ إذا أَجْمَعَ على إقامةِ تِسْعَ عَشرةَ أَتَمّ الصلاةَ‏.‏

ثم أَجْمَعَ أَهلُ العلمِ على أن المسافرِ أن يَقْصُرُ ما لم يُجْمِعْ اقامةً، وإِنْ أَتَى عليه سِنُونَ‏.‏

545- حدثنا هنادُ ‏(‏بن السري‏)‏ حدثنا أبو مُعاويةَ عن عاصمِ الأحْولِ عن عِكْرِمة عن ابن عباسٍ قال‏:‏ ‏"‏سافر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سفراً فصلَى تسعةَ عشرَ يوماً ركعَتْينِ ركعتين، قال ابن عباسٍ‏:‏ فنحن نصلّي فيما بينَنَا وبين تِسْع عَشْرَةَ ركعتينِ ركعَتَيْنِ فاذا أقَمْنَا أكثر مِن ذلك صلّينا أربعاً‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ غريبٌ حَسَنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة‏)‏ أي متوجهين إلى مكة لحجة الوداع ‏(‏فصلى ركعتين‏)‏ أي في الرباعية، وفي رواية الصحيحين على ما في المشكاة‏.‏ فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة ‏(‏قال عشراً‏)‏ أي أقام بمكة عشراً، قال القاري في المرقاة‏.‏ الحديث بظاهره ينافي مذهب الشافعي من أنه إذا أقام أربعة أيام يجب الإتمام انتهى‏.‏

قلت‏:‏ قد نقل القاري عن ابن حجر الهيثمي ما لفظه‏:‏ لم يقم العشر التي أقامها لحجة الوداع بموضع واحد، لأنه دخلها يوم الأحد وخرج منها صبيحة الخميس، فأقام بمنى، والجمعة بنمرة وعرفات، ثم عاد السبت بمنى لقضاء نسكه ثم بمكة لطواف الإفاضة ثم بمنى يومه فأقام بها بقيته، والأحد والاثنين والثلاثاء إلى الزوال، ثم نفر فنزل بالمحصب وطاف في ليلته للوداع، ثم رحل قبل صلاة الصبح‏.‏ لمتفرق إقامته قصر في الكل‏.‏ وبهذا أخذنا أن للمسافر إذا دخل محلاً أن يقصر فيه ما لم يصر مقيماً أو ينو إقامة أربعة أيام غير يومي الدخول والخروج أو يقيمها واستدلوا لذلك بخبر الصحيحين، يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثاً، وكان يحرم على المهاجرين الإقامة بمكة ومساكنة الكفار كما روياه أيضاً‏.‏ فالإذن في الثلاثة يدل على بقاء حكم السفر فيها بخلاف الأربعة انتهى‏.‏

وقال الحافظ في فتح الباري‏:‏ قدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لصبح رابعة كما في حديث ابن عباس، ولا شك أنه خرج صبح الرابع عشر فتكون مدة الإقامة بمكة وضواحيها عشرة أيام بلياليها كما قال أنس رضي الله عنه، وتكون مدة إقامته بمكة أربعة أيام سواء لأنه خرج منها في اليوم الثامن فصلى الظهر بمنى، ومن ثم قال الشافعي إن المسافر إذا أقام ببلدة قصر أربعة أيام، وقال أحمد‏.‏ إحدى وعشرين صلاة انتهى كلام الحافظ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن ابن عباس وجابر‏)‏، أما حديث ابن عباس فأخرجه البخاري وأبو داود وابن ماجه وأخرجه الترمذي في هذا الباب، وأما حديث جابر فأخرجه أبو داود‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث أنس حديث حسن صحيح‏)‏، وأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقد روي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أقام في بعض أسفاره‏)‏ أي في فتح مكة، وأما حديث أنس المتقدم فكان في حجة الوداع قاله الحافظ ابن حجر، وحديث ابن عباس هذا أخرجه البخاري في صحيحه ‏(‏تسع عشرة يصلي ركعتين‏)‏، وفي لفظ للبخاري تسعة عشر يوماً، وفي رواية لأبي داود عن ابن عباس سبع عشرة، وفي أخرى له عنه خمس عشرة، وفي حديث عمران بن حصين‏.‏ شهدت معه الفتح فأقام بمكة ثمانية عشر ليلة لا يصلي إلا ركعتين ويقول‏.‏ يا أهل البلد صلوا أربعاً فإنا قوم سفر‏.‏ رواه أبو داود ‏(‏قال أبن عباس‏.‏ فنحن إذا أقمنا ما بيننا وبين تسع عشرة صلينا ركعتين وإن زدنا على ذلك أتممنا الصلاة‏)‏، هذا هو مذهب ابن عباس رضي الله عنهما، وبه أخذ إسحاق بن راهويه ورآه أقوى المذاهب ‏(‏وروي عن علي أنه قال‏:‏ من أقام عشرة أيام أتم الصلاة‏)‏، أخرجه عبد الرزاق بلفظ‏:‏ إذا أقمت بأرض عشراً فأتمم‏.‏ فإن قلت أخرج اليوم أو غداً فصل ركعتين‏.‏ وإن اقمت شهراً ‏(‏وروي عن ابن عمر أنه قال‏.‏ من أقام خمسة عشر يوماً أتم الصلاة‏)‏ أخرجه محمد بن الحسن في كتاب الآثار أخبرنا أبو حنيفة حدثنا موسى بن مسلم عن مجاهد عن عبد الله بن عمر قال‏.‏ إذا كنت مسافراً فوطنت نفسك على إقامة خمسة عشر يوماً فأتمم الصلاة، وإن كنت لا تدري فأقصر الصلاة، وأخرج الطحاوي عن ابن عباس وابن عمر قالا‏:‏ إذا قدمت بلدة وأنت مسافر وفي نفسك أن تقيم خمسة عشر يوماً أتم الصلاة، وروي عنه ثنتي عشرة، أخرجه عبد الرزاق‏.‏ كذا في شرح الترمذي لسراج أحمد السرهندي‏.‏

‏(‏وروى عنه داود بن أبي هند خلاف هذا‏)‏ روى محمد بن الحسن في الحجج عن سعيد بن المسيب قال‏.‏ إذا قدمت بلدة فأقمت خمسة عشر يوماً فأتم الصلاة، ‏(‏واختلف أهل العلم بعد‏)‏ بالبناء على الضم أي بعد ذلك ‏(‏في ذلك‏)‏ أي فيما ذكر من مدة الإقامة، ‏(‏فأما سفيان الثوري وأهل الكوفة فذهبوا إلى توقيت خمس عشرة وقالوا إذا أجمع‏)‏ أي نوى ‏(‏على إقامة خمس عشرة أتم الصلاة‏)‏ وهو قول أبي حنيفة، واستدلوا بما رواه أبو داود من طريق محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال‏:‏ أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عام الفتح خمس عشرة يقصر الصلاة، قال المنذري‏:‏ وأخرجه ابن ماجه وأخرجه النسائي بنحوه وفي إسناده محمد بن إسحاق، واختلف علي بن إسحاق فيه فروى منه مسنداً ومرسلاً وروي عنه عن الزهري من قوله انتهى، وقد ضعف النووي هذه الرواية، لكن تعقبه الحافظ في فتح الباري حيث قال‏:‏ وأما رواية خمسة عشر فضعفها النووي في الخلاصة وليس بجيد لأن رواتها ثقات ولم ينفرد بها ابن إسحاق، فقد أخرجها النسائي من رواية عراق بن مالك عن عبيد الله كذلك فهي صحيحة انتهى كلام الحافظ‏.‏

واستدلوا أيضاً بأثر ابن عمر المذكور، وقد روى عنه توقيت ثنتي عشرة كما حكاه الترمذي ‏(‏وقال الأوزاعي‏:‏ إذا أجمع على إقامة ثنتي عشرة أتم الصلاة‏)‏ قال الشوكاني في النيل‏:‏ لا يعرف له مستند فرعي وإنما ذلك اجتهاد من نفسه انتهى‏.‏

قلت‏:‏ لعله استند بما روي عن ابن عمر توقيت ثنتي عشرة‏.‏ ‏(‏وقال مالك والشافعي وأحمد‏:‏ إذا أجمع على إقامة أربع أتم الصلاة‏)‏‏.‏ قال في السبل صفحة 651‏:‏ وهو مروي عن عثمان والمراد غير يوم الدخول والخروج، واستدلوا بمنعه صلى الله عليه وسلم المهاجرين بعد مضي النسك أن يزيدوا على ثلاثة أيام في مكة، فدل على أنه بالأربعة الأيام يصير مقيماً انتهى‏.‏

قلت‏:‏ ورد هذا الاستدلال بأن الثلاث قدر قضاء الحوائج لا لكونها غير إقامة، واستدلوا أيضاً بما روى مالك عن نافع عن أسلم عن عمر أنه أجلى اليهود من الحجاز، ثم أذن لمن قدم منهم تاجراً أن يقيم ثلاثة أيام، قال الحافظ في التلخيص صححه أبو زرعة‏.‏ ‏(‏أما إسحاق‏)‏ يعني ابن راهويه، ‏(‏فرأى أقوى المذاهب فيه حديث ابن عباس‏)‏ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أقام في بعض أسفاره تسع عشرة يصلي ركعتين، ‏(‏قال‏)‏ أي إسحاق ‏(‏لأنه‏)‏ أي ابن عباس ‏(‏روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم تأوله بعد النبي صلى الله عليه وسلم‏)‏ أي أخذ به وعمل عليه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، ‏(‏ثم أجمع أهل العلم على أن للمسافر أن يقصر ما لم يجمع إقامته وإن أتى عليه سنون‏)‏، جمع سنة أخرج البيهقي عن أنس أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أقاموا برامهر من تسعة أشهر يقصرون الصلاة، قال النووي إسناده صحيح وفيه عكرمة بن عمار، واختلفوا في الاحتجاج به واحتج به مسلم في صحيحه انتهى، وأخرج عبد الرزاق في مصنفه أخبرنا عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أقام بأذربيجان ستة أشهر في غزاة وكنا نصلي ركعتين انتهى‏.‏ قال النووي وهذا سند على شرط الصحيحين، كذا في نصب الراية‏.‏ وذكر الزيلعي فيه آثاراً أخرى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم سفراً‏)‏ أي في فتح مكة كما تقدم ‏(‏فصلى‏)‏، أي فأقام فصلى ‏(‏تسعة عشر يوماً ركعتين ركعتين‏)‏، وفي رواية للبخاري أقام النبي صلى الله عليه وسلم تسعة عشر يقصر، قال الحافظ في الفتح أي يوماً بليلة زاد في المعازي بمكة وأخرجه أبو داود بلفظ سبعة عشر بتقديم السين، وله أيضاً من حديث عمران بن حصين‏:‏ غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين‏.‏ وله من طريق ابن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عام الفتح خمس عشرة يقصر الصلاة‏.‏

وجمع البيهقي بين هذا الاختلاف بأن من قال تسع عشرة عد يومي الدخول والخروج، ومن قال سبع عشرة حذفهما، ومن قال ثماني عشرة عد أحدهما، وأما رواية خمس عشرة فضعفها النووي في الخلاصة وليس بجيد لأن رواتها ثقات، ولم ينفرد بها ابن إسحاق فقد أخرجها النسائي من رواية عراك بن مالك عن عبيد الله كذلك، وإذا أثبت أنها صحيحة فليحمل على أن الراوي ظن أن الأصل رواية سبع عشرة، فحذف منها يومى الدخول والخروج، فذكر أنها خمس عشرة، واقتضى ذلك أن رواية تسع عشرة أرجح الروايات‏.‏ وبهذا أخذ إسحاق بن راهويه‏.‏ ويرجحها أيضاً أنها أكثر ما وردت به الروايات الصحيحة‏.‏ انتهى كلام الحافظ، وقال في التلخيص بعد ذكر الروايات المذكورة، ورواية عبد بن حميد عن ابن عباس بلفظ‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما افتتح مكة أقام عشرين يوماً يقصر الصلاة ما لفظه‏:‏ قال البيهقي أصح الروايات في ذلك رواية البخاري وهي رواية تسع عشرة، وجمع إمام الحرمين والبيهقي بين الروايات السابقة باحتمال أن يكون في بعضها لم يعد يومي الدخول والخروج وهي رواية سبعة عشر وعدها في بعضها، وهي رواية تسع عشرة وعد يوم الدخول ولم يعد الخروج وهي رواية ثمانية عشر‏.‏

قال الحافظ‏:‏ وهو جمع متين وتبقى رواية خمسة عشر شاذة لمخالفتها ورواية عشرين وهي صحيحة الإسناد إلا أنها شاذة أيضاً، اللهم إلا أن يحمل على جبر الكسر، ورواية ثمانية عشر ليست بصحيحة من حيث الإسناد انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن غريب صحيح‏)‏، وأخرجه البخاري وابن ماجه وأحمد‏.‏

389- باب ما جاء في التّطَوّعِ في السّفَر

546- حدثنا قُتَيْبةُ ‏(‏بن سعيد‏)‏، حدثنا الليثُ بنُ سعدٍ عن صَفْوانَ بن سُلَيمٍ عن أَبي بُسْرَةَ الغِفَارِيّ عن البراءِ بن عازبٍ قال‏:‏ ‏"‏صَحِبْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ثمانيةَ عَشَرَ سَفَراً فما رأيتُهُ ترك الركعَتْينِ إِذا زاغتِ الشمسُ قبلَ الظّهرِ‏"‏‏.‏

وفي الباب عن ابنِ عُمَرَ‏.‏

قال و أبو عيسى‏:‏ حديثُ البَرَاء حديثٌ غريبٌ‏.‏

‏(‏قال‏)‏ ‏(‏و‏)‏ سألت مُحمداً عنْهُ فَلَمْ يَعْرِفْهُ إلا من حديثِ الليثِ بنِ سعدٍ ولم يعرف اسمَ أبي بُسْرةَ الغِفَارِيّ ورآه حسَناً ورُوِيَ عن ابنِ عمرَ‏:‏ ‏"‏أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كانَ لا يتطَوّعُ في السّفَرِ قبلَ الصلاةِ ولا بعدَهاَ‏"‏‏.‏ وَرُوِيَ عنْه ‏(‏عن النبيّ صلى الله عليه وسلم‏)‏ ‏"‏أنّه كانَ يتطَوّعُ في السّفَرِ‏"‏ ثم اختلفَ أهلُ العلمِ بَعدَ النبيّ صلى الله عليه وسلم فَرَأَى بعضُ أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم أنْ يتَطَوَعَ الرجُلُ في السفرِ وبِه يقولُ أحمدُ وإسحاقُ ولمَ تر طائفةٌ مِن أهلِ العِلْمِ أن يصَلي قَبْلَهَا ولاَ بعدَهَا ومعنى مَن لم يتطَوّعْ في السّفَرِ قبولُ الرخْصَةِ، ومن تَطَوّعَ فَلَهُ في ذلِكَ فضلٌ كثيرٌ‏.‏ وهو قولُ أكثرَ أهلِ العلمِ يختارنَ التطَوعَ في السّفَرِ‏.‏

547- حدثنا عليّ بنُ حُجْرٍ حدثنا حَفْصُ بنُ غِياثٍ عن الحجّاج عن عَطِيّةَ عَن ابنِ عُمَرَ قالَ ‏"‏صَلّيتُ معَ النبيّ صلى الله عليه وسلم الظهرَ في السفَرِ ركعتينِ وبعدَها ركعتَينِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ وقد رَواهُ ابنُ أبي ليلَى عن عَطِيّةَ ونافعٍ عن ابن عمَرَ‏.‏

548- حدثنا محمدُ بنُ عُبَيدٍ المُحَارِبيّ ‏(‏يعني الكوفي‏)‏، حدثنا عليّ بنُ هاشِمٍ عن ابن أبي ليلى عن عطية و نافع عن ابن عمرَ قَالَ‏:‏ ‏"‏صليتُ معَ النبيّ صلى الله عليه وسلم في الحضَرِ والسفَرِ، فصليتُ مَعَهُ في الحضَرِ الظّهر أَربعاً وبعدَها ركعتَينْ وصليتُ معهُ في السفرِ الظهرَ ركعتَيْنِ وبعدَهَا ركعتَينِ والعصْرِ ركعتَينِ ولم يُصلّ بعدَها شيئاً والمغرِبَ في الحضَرِ والسّفَرِ سَواءً ثلاثَ ركَعَاتٍ لا تَنْقُصُ في الحَضَر ولا في السفر وهِيَ وترُ النهَارِ وبعدَهَا رَكْعَتَينِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ سمعتُ محمداً يقُولُ مَا رَوى ابنُ أبي لَيلَى حدِيثاً أعجَبَ إِلَيّ مِن هذا ‏(‏ولا أَروي عنه شيئاً‏)‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن صفوان بن سليم‏)‏، بضم السين مصغراً ثقة، ‏(‏عن أبي بسرة‏)‏ بضم الباء الموحدة وسكون السين المهملة الغفارى‏.‏ مقبول من الرابعة كذا في التقريب، وقال في الخلاصة وثقه ابن حبان‏.‏ وقال في قوت المغتذي بضم الموحدة وسكون السين المهملة تابعي لا يعرف اسمه ولم يرو عنه غير صفوان بن سليم، وليس له في الكتب إلا هذا الحديث عند المصنف وابن ماجه، وربما اشتبه على من يتنبه له بأبي بصرة الغفاري بفتح الباء وبالصاد المهملة، وهو صحابي اسمه حميل بضم الحاء المهملة مصغراً انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ثمانية عشر سفراً‏)‏ بفتح السين المهملة والفاء قال الحافظ العراقي‏:‏ كذا وقع في الأصول الصحيحة، قال‏:‏ وقد وقع في بعض النسخ بدله شهراً وهو تصحيف كذا في قوت المغتذي ‏(‏فما رأيته ترك الركعتين إذا زاغت الشمس قبل الظهر‏)‏، الظاهر أن هاتين الركعتين هما سنة الظهر، فهذا الحديث دليل لمن قال بجواز الإتيان بالرواتب في السفر، قال صاحب الهدى‏:‏ لم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى سنة الصلاة قبلها ولا بعدها في السفر إلا ما كان من سنة الفجر انتهى‏.‏ قال الحافظ في الفتح متعقباً عليه‏:‏ ويرد على إطلاقه ما رواه أبو داود والترمذي من حديث البراء بن عازب قال‏:‏ سافرت مع النبي صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر سفراً فلم أره ترك الركعتين إذا زاغت الشمس قبل الظهر وكأنه لم يثبت عنده‏.‏ لكن الترمذي استغربه ونقل عن البخاري أنه رآه حسناً‏.‏ وقد حمله بعض العلماء على سنة الزوال لا على الراتبة قبل الظهر انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن ابن عمر‏)‏ قد روى عنه في هذا الباب روايتان وسيجيء تخريجهما‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث البراء حديث غريب‏)‏‏.‏ أخرجه أبو داود وسكت عنه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وروي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يتطوع في السفر قبل الصلاة ولا بعدها‏)‏‏.‏ أخرجه البخاري ومسلم من طريق حفص بن عاصم قال صحبت ابن عمر في طريق مكة فصلى لنا الظهر ركعتين ثم جاء رحله وجلس فرأى ناساً قياماً فقال‏:‏ ما يصنع هؤلاء‏؟‏ قلت‏:‏ يسبحون‏.‏ قال‏:‏ لو كنت مسبحاً أتممت صلاتي، صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان لا يزاد في السفر على ركعتين، وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك، وقد أخرجه الترمذي من وجه آخر‏.‏ ‏(‏وروي عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه كان يتطوع في السفر‏)‏، أخرجه الترمذي في هذا الباب قال بعض العلماء‏:‏ هذا محمول على التذكر وما روى عنه‏:‏ أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يتطوع في السفر محمول على النسيان‏.‏ والله تعالى أعلم‏.‏

وروى مالك في الموطأ بلاغاً عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يرى ابنه عبيد الله يتنقل في السفر فلا ينكر ذلك عليه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فرأى بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن يتطوع الرجل في السفر وبه يقول أحمد وإسحاق‏)‏‏.‏ المراد من التطوع النوافل الراتبة، وأما النوافل المطلقة فقد اتفق العلماء على استحبابها، ‏(‏ومعنى من لم يتطوع في السفر قبول الرخصة‏)‏، يعني أن من قال بعدم التطوع في السفر مراده أن التطوع رخصة في السفر، فقبل الرخصة ولم يتطوع، وليس مراده أن التطوع في السفر ممنوع، ‏(‏وهو قول أكثر أهل العلم يختارون التطوع في السفر‏)‏، قال النووي في شرح مسلم‏:‏ قد اتفق العلماء على استحباب النوافل المطلقة في السفر واختلفوا في استحباب النوافل الراتبة، فتركها ابن عمر وآخرون، واستحبها الشافعي والجمهور، ودليله الأحاديث العامة المطلقة في ندب الرواتب، وحديث صلاته صلى الله عليه وسلم الضحى يوم الفتح بمكة وركعتي الصبح حين ناموا حتى تطلع الشمس وأحاديث أخرى صحيحة ذكرها أصحاب السنن، والقياس على النوافل المطلقة، ولعل النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الرواتب في رحله ولا يراه ابن عمر فإن النافلة في البيت أفضل، ولعله تركها في بعض الأوقات تنبيهاً على جواز تركها، وأما ما يحتج به القائلون بتركها من أنها لو شرعت لكان إتمام الفريضة أولى، فجوابه أن الفريضة متحتمة‏.‏ فلو شرعت تامة لتحتم إتمامها، وأما النافلة فهي إلى خيرة المكلف، فالرفق به أن تكون مشروعة، ويتخير إن شاء فعلها وحصل ثوابها، وإن شاء تركها ولا شيء عليه انتهى‏.‏

قال الحافظ في الفتح تعقب هذا الجواب بأن مراد ابن عمر بقوله‏:‏ لو كنت مسبحاً لأتممت‏.‏ يعني أنه لو كان مخيراً بين الإتمام وصلاة الراتبة لكان الإتمام أحب عليه‏.‏ لكنه فهم من القصر التخفيف، فلذلك كان لا يصلي الراتبة ولا يتم انتهى‏.‏ قلت‏:‏ المختار عندي المسافر في سعة إن شاء صلى الرواتب وإن شاء تركها والله تعالى أعلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن حجاج‏)‏، هو ابن أرطأة الكوفي القاضي صدوق كثير الخطأ والتدليس‏.‏ ‏(‏عن عطية‏)‏ هو ابن سعد بن جنادة الكوفي أبو الحسن، صدوق يخطيء كثيراً كان شيعياً مدلساً من الثالثة، كذا في التقريب‏.‏ وقال في الميزان عطية بن سعد العوفي الكوفي تابعي شهير ضعيف عن ابن عباس وأبي سعيد وابن عمر، وعنه مسعر وحجاج بن أرطأة وطائفة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏الظهر في السفر ركعتين‏)‏، أي فرضاً ‏(‏وبعدها‏)‏ أي بعد صلاة الظهر ‏(‏ركعتين‏)‏ أي سنة الظهر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن‏)‏‏.‏ إنما حسن الترمذي هذا الحديث مع أن في سنده حجاج بن أرطأة وعطية، وكلاهما مدلس وروياه بالعنعنة فإنه قد تابع حجاجاً بن أبي ليلى في الطريق الاَتية، وكذلك تابع عطية نافع فيها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والمغرب في الحضر والسفر سواء‏)‏، حال أي مستوياً عددها فيهما، وقوله‏:‏ ثلاث ركعات بيان لها، ‏(‏ولا ينقص في حضر ولا سفر‏)‏ على البناء للفاعل، أي لا ينقص رسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب عن ثلاث ركعات في الحضر ولا في السفر، لأن القصر منحصر في الرباعية ‏(‏وهي وتر النهار‏)‏ جملة حالية كالتعليل لعدم جواز النقصان، قاله الطيبي وحديث ابن عمر هذا يدل على جواز الإتيان بالرواتب في السفر‏.‏

390- باب ‏(‏ما جَاءَ‏)‏ في الجمعِ بينَ الصّلاتَين

549- حدثنا قُتَيْبةُ ‏(‏بن سعيد‏)‏ حدثنا الليثُ ‏(‏بنُ سعدٍ‏)‏ عن يزيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ عن أبي الطفَيلِ ‏(‏هو عامر بن واثلة‏)‏ عنْ معاذِ بنِ جبلٍ‏:‏ ‏"‏أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان في غزوةِ تَبُوكَ إذا ارتَحلَ قَبلَ زَيغ الشَمسِ أخرَ الظهرَ إلى أن يجمَعَها إلى العصْرِ فيُصلّيهِمَا جميعاً وإذا ارتحلَ بعدَ زَيغِ الشّمْسِ عجّلَ العصْرَ إلى الظّهرِ وصلى الظّهرَ والعَصْرَ جميعاً ثم سارَ وكان إذا ارتحل قَبلَ المغْربِ أخرَ المغرِبَ حتى يصليَهَا مع العِشاءِ وإذا ارتحَلَ بعدَ المغرِبِ عجّلَ العِشَاء فَصَلاّهَا مع المغرِبِ‏"‏‏.‏

‏(‏قال‏)‏‏:‏ وفي الباب عن عليَ وابنِ عُمَر وأنسٍ وعبدِ الله بن عمْروٍ وعائشةَ وابنِ عبّاسٍ وأُسَامةَ ‏(‏بن زَيدٍ‏)‏ وجابر ‏(‏بن عبد الله‏)‏‏.‏

550- حدثنا عبدالصمد بن سليمان حدثنا زكريا اللؤلؤيّ حدثنا أبو بكر الأعين حدثنا علي بن المديني حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا قتيبة بهذا ‏(‏الحديث‏)‏ ‏(‏يعني حديث معاذ‏)‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ ‏(‏والصحيح عن أسامة‏)‏ ورَوَى عليّ بن المدينيّ عن أحمدَ بنِ حَنْبلِ عن قُتَيْبةَ هذا الحديثَ وحديث معاذٍ حديثٌ حسنٌ غريبٌ تفرّدَ بِهِ قُتيبةُ لا نعرفُ أحداً رواهَ عن الليثِ غَيْرهُ وحَديثُ الليثِ عن يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ عن أبي الطُفيِل عَن معاذٍ حديثٌ غريبٌ‏.‏ والمعرُوفُ عِند أهلِ العِلم حديثُ مُعاذٍ من حديث أبي الزّبيرِ عَن أبي الطّفيلِ عن مُعاذٍ‏:‏ ‏"‏أن النبيّ صلى الله عليه وسلم جَمعَ في غزوَةِ تُبوكَ بين الظهْرِ والعصْرِ وبين المغرِبِ والعِشاء‏"‏‏.‏ رَواه قُرّةُ بُن خَالدٍ وسفيانُ الثوريّ ومالكٌ وغيرُ واحدٍ عن أبي الزُبَيرِ المكيّ وبهذا الحديثِ يقولُ الشافعيّ وأحمدُ وإسحاقُ يقولان‏:‏ لا بأسَ أن يجمعَ بين الصلاتَيْنِ في السّفرِ في وقتٍ إحداهُما‏)‏‏.‏

551- حدثنا هّنادٌ ‏(‏بن السّريّ‏)‏ حدثنا عَبْدَةُ بن سليمان عن عُبَيْدِ الله بن عُمَرَ عن نافعٍ عن ابنِ عُمَرَ ‏"‏أنه استُغيثَ على بعضِ أهلِهِ فجدّ بِه السّيرُ فَأَخّرَ المغربَ حتى غابَ الشّفقُ ثم نَزَلَ فَجمعَ بينهمَا ثم أخْبَرَهُم أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان يفعْلُ ذلِكَ إذا جَدّ بهِ السّيرُ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

‏(‏وحديث الليث عن يزيد بن أبي حبيب حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏)‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن أبي الطفيل‏)‏، اسمه عامر بن واثلة بن عبد الله الليثي، وربما سمي عمرواً، ولد عام أحد ورأى النبي صلى الله عليه وسلم، وروي عن أبي بكر وعمن بعده وعمر إلى أن مات سنة عشر ومائة على الصحيح، وهو آخر من مات من الصحابة، قاله مسلم وغيره، كذا في التقريب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كان في غزوة تبوك‏)‏، غير منصرف على المشهور، وهو موضع قريب من الشام ‏(‏قبل زيغ الشمس‏)‏ أي قبل الزوال فإن زيغ الشمس هو ميلها عن وسط السماء إلى جانب المغرب، ‏(‏عجل العصر إلى الظهر وصل الظهر والعصر جميعاً‏)‏، فيه دلالة على جواز جمع التقديم في السفر وهو نص صريح فيه لا يحتمل تأويلاً‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن علي وابن عمر وأنس وعبد الله بن عمرو وعائشة وابن عباس وأسامة بن زيد وجابر‏)‏، أما حديث علي فأخرجه الدارقطني عن ابن عقدة بسند له من حديث أهل البيت وفي إسناده من لا يعرف‏.‏ وفيه أيضاً المنذر الكابوسي وهو ضعيف، وروى عبد الله بن أحمد في زيادات المسند بإسناد آخر عن علي أنه كان يفعل ذلك، وأما حديث ابن عمر فأخرجه الجماعة إلا ابن ماجه، وأما حديث أنس فأخرجه الشيخان عنه قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل يجمع بينهما، فإذا زاغت قبل أن يرتحل، صلى الظهر ثم ركب‏.‏ وفي رواية لمسلم‏:‏ كان إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر يؤخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر ثم يجمع بينهما، قال الحافظ في فتح الباري‏:‏ قوله صلى الظهر ثم ركب كذا فيه الظهر فقط، وهو المحفوظ عن عقيل في الكتب المشهورة، ومقتضاه أنه كان لا يجمع بين الصلاتين إلا في وقت الثانية منهما‏.‏ وبه احتج من أبى جمع التقديم، لكن روى إسحاق بن راهويه هذا الحديث عن شبابة فقال‏:‏ كان إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً ثم ارتحل‏.‏ أخرجه الإسماعيلي‏.‏

وأعل بتفرد إسحاق بذلك عن شبابة ثم تفرد جعفر الفريابي به عن إسحاق‏.‏

وليس ذلك بقادح فإنهما إمامان حافظان انتهى‏.‏ وقال في بلوغ المرام بعد ذكر حديث أنس هذا، وفي رواية الحاكم في الأربعين بإسناد الصحيح صلى الظهر والعصر ثم ركب‏.‏ ولأبي نعيم في مستخرج مسلم‏:‏ كان إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً ثم ارتحل، انتهى‏.‏ وقال في التلخيص‏:‏ وحديث أنس رواه الإسماعيلي والبيهقي من حديث إسحاق بن راهويه عن شبابة بن سوار عن الليث عن عقيل عن الزهري عن أنس قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً ثم ارتحل‏.‏ وإسناده صحيح، قال النووي‏:‏ وفي ذهني أن أبا داود أنكره على إسحاق ولكن له متابع رواه الحاكم في الأربعين له عن أبي العباس محمد بن يعقوب عن محمد بن إسحاق الصغائي عن حسان بن عبد الله عن المفضل بن فضالة عن عقيل عن ابن شهاب عن أنس‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر والعصر ثم ركب‏.‏ وهو في الصحيحين من هذا الوجه بهذا السياق وليس فيهما والعصر وهي زيادة غريبة صحيحة الإسناد، وقد صححه المنذري من هذا الوجه، والعلائي وتعجب من الحاكم كونه لم يورده في المستدرك، وله طريق أخرى رواها الطبراني في الأوسط ثم ذكرها الحافظ بسندها ومتنها، وأما حديث عبد الله بن عمرو فلينظر من أخرجه، وأما حديث عائشة فأخرجه الطحاوي وأحمد والحاكم عنها قالت‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر يؤخر الظهر ويقدم العصر، ويؤخر المغرب ويقدم العشاء، وأما حديث ابن عباس فأخرجه أحمد وآخرون بلفظ‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في السفر إذا زاغت الشمس في منزله جمع بين الظهر والعصر قبل أن يركب، فإذا لم تزغ في منزله سار حتى إذا حانت العصر نزل فجمع بين الظهر والعصر، وإذا حانت له المغرب في منزله جمع بينها وبين العشاء، وإذا لم تحن في منزله ركب حتى إذا كانت العشاء نزل فجمع بينهما‏.‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ في إسناده حسين بن عبد الله الهاشمي وهو ضعيف لكن له شواهد من طريق حماد عن أيوب عن أبي قلابة عن ابن عباس، لا أعلمه إلا مرفوعاً‏:‏ أنه كان نزل منزلاً في السفر فأعجبه أقام فيه حتى يجمع بين الظهر والعصر، ثم يرتحل فإذا لم يتهيأ له المنزل مد في السير فسار، حتى ينزل فيجمع بين الظهر والعصر أخرجه البيهقي، ورجاله ثقات إلا أنه مشكوك في رفعه، والمحفوظ أنه موقوف‏.‏ وقد أخرجه البيهقي من وجه آخر مجزوماً بوقفه علي بن عباس ولفظه‏:‏ إذا كنتم سائرين فذكر نحوه، انتهى كلام الحافظ‏.‏ وأما حديث أسامة بن زيد فأخرجه البخاري ومسلم، وفيه بيان الجمع بمزدلفة‏.‏ وأما حديث جابر وهو جابر ابن عبد الله فأخرجه مسلم في حديث طويل في حجة النبي صلى الله عليه وسلم وفيه‏:‏ ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئاً‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وروي عن علي بن المديني عن أحمد بن حنبل هذا الحديث‏)‏، أي حديث معاذ المذكور في الباب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وحديث معاذ حديث حسن غريب تفرد به قتيبة الخ‏)‏‏.‏ قال الحافظ في التلخيص بعد نقل كلام الترمذي‏:‏ هذا وقال أبو داود هذا حديث منكر وليس في جميع التقديم حديث قائم‏.‏ وقال أبو سعيد بن يونس لم يحدث بهذا الحديث إلا قتيبة، ويقال إنه غلط فيه تغير بعض الأسماء، وأن موضع يزيد بن حبيب أبو الزبير وقال ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه‏:‏ لا أعرفه من حديث يزيد والذي عندي أنه دخل له حديث في حديث‏.‏ وأطنب الحاكم في علوم الحديث في بيان علة هذا الخبر فيراجع منه‏.‏ قال وله طريق أخرى عن معاذ بن جبل‏.‏ أخرجها أبو داود من رواية هشام بن سعد عن أبي الزبير عن أبي الطفيل، وهشام مختلف فيه، وقد خالفه الحفاظ من أصحاب أبي الزبير كمالك والثوري وقرة بن خالد وغيرهم، فلم يذكروا في روايتهم جمع التقديم انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وبهذا الحديث يقول الشافعي وأحمد وإسحاق‏)‏ قال الحافظ في الفتح قال بإطلاق جواز الجمع كثير من الصحابة والتابعين، ومن الفقهاء الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأشهب، انتهى‏.‏ يعني قالوا بجواز الجمع في السفر مطلقاً، سواء كان سائراً أم لا، وسواء كان سيراً مجداً أم لا‏.‏

قال الحافظ‏:‏ وقال قوم لا يجوز الجمع مطلقاً إلا بعرفة ومزدلفة‏.‏ وهو قول الحسن والنخعي وأبي حنيفة وصاحبيه، انتهى‏.‏ وقيل‏:‏ يختص الجمع بمن يجد في السير‏.‏ قاله الليث وهو القول المشهور عن مالك‏.‏ وقيل‏:‏ يختص بالمسافر دون المنازل‏.‏ وهو قول ابن حبيب‏.‏ وقيل‏:‏ يختص بمن له عذر‏.‏ حكي عن الأوزاعي‏.‏ وقيل‏:‏ يجوز جمع التأخير دون التقديم وهو مروى عن مالك وأحمد وأختاره ابن حزم انتهى‏.‏ ‏(‏يقولان لا بأس أن يجمع بين الصلاتين في السفر في وقت إحداهما‏)‏، كذا في النسخ يقولان بصيغة التثنية، والظاهر أن يقول‏:‏ يقولون يصيغة الجمع والمعنى يقول الشافعي وأحمد وإسحاق يجوز الجمع بين الصلاتين في السفر بجمعي التقديم والتأخير، وهو الحق واستدلوا على جواز جمع التقديم بحديث معاذ المذكور في الباب وبحديث أنس وبحديث ابن عباس وبحديث جابر، وقد ذكرنا ألفاظ هذه الأحاديث، واستدلوا على جواز جمع التأخير بحديث ابن عمر الاَتي في هذا الباب، وبحديث أنس الذي تقدم لفظه‏.‏

وأجاب الحنفية عن هذه الأحاديث بأنها محمولة على الجمع الصوري‏.‏

ورد هذا الجواب بأن الأحاديث الواردة في الجمع بعضها نصوص صريحة في جمع التقديم، وفي جمع التأخير‏.‏ لا تحتمل تأويلاً‏.‏ قال صاحب التعليق الممجد‏:‏ حمل أصحابنا يعني الحنفية الأحاديث الواردة في الجمع على الجمع الصوري‏.‏ وقد بسط الطحاوي الكلام فيه في شرح معاني الآثار، لكن لا أدري ماذا يفعل بالروايات التي وردت صريحة بأن الجمع كان بعد ذهاب الوقت، وهي مروية في صحيح البخاري وسنن أبي داود وصحيح مسلم وغيرها من الكتب المعتمدة على ما لا يخفي من نظر فيها، فإن حمل على أن الرواة لم يحصل التميز لهم، فظنوا قرب خروج الوقت، فهذا أمر بعيد عن الصحابة الناهين على ذلك، وإن اختير ترك تلك الروايات بإبداء الخلل في الإسناد فهو أبعد وأبعد مع إخراج الأئمة لها وشهادتهم بتصحيحها، وإن عورض بالأحاديث التي صرحت بأن الجمع كان بالتأخير إلى آخر الوقت والتقديم في أول الوقت، فهو أعجب، فإن الجمع بينهما يحملها على اختلاف الأحوال ممكن بل هو الظاهر، انتهى كلام صاحب التعليق الممجد‏.‏ وقال إمام الحرمين‏:‏ ثبت في الجمع أحاديث نصوص لا يتطرق إليها تأويل ودليله من حيث المعنى الاستنباط من الجمع بعرفة ومزدلفة، فإن سببه احتياج الحاج إليه، لاشتغالهم بمناسكهم، وهذا المعنى موجود في كل الأسفار ولم تتقيد الرخص، كالقصر والفطر بالنسك إلى أن قال‏:‏ ولا يخفى على منصف أن الجمع أرفق من القصر، فإن القائم إلى الصلاة لا يشق عليه ركعتان يضمهما إلى ركعتيه، ورفق الجمع واضح لمشقة النزول على المسافر انتهى، كذا نقل كلام إمام الحرمين الحافظ في الفتح‏.‏

وتعقب الخطابي وغيره على من حمل أحاديث الجمع على الجمع الصوري، بأن الجمع رخصة، فلو كان على ما ذكروه لكان أعظم ضيقاً من الإتيان بكل صلاة في وقتها، لأن أوائل الأوقات وأواخرها مما لا يدركه أكثر الخاصة، فضلاً عن العامة‏.‏ ومن الدليل على أن الجمع رخصة قول ابن عباس‏:‏ أن لا يحرج أمته‏.‏ أخرج مسلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أنه استغيث على بعض أهله‏)‏، أي طلب منه الإغاثة على بعض أهله، وذلك أن صفية بنت أبي عبيد زوجة ابن عمر كانت لها حالة الاحتضار‏.‏ فأخبر بذلك وهو خارج المدينة، فجد به السير وعجل في الوصول، كذا في بعض الحواشي‏.‏ قلت‏:‏ في صحيح البخاري في باب يصلي المغرب ثلاثاً في السفر قال سالم‏:‏ وأخر ابن عمر المغرب وكان استصرخ على امرأته صفية بنت أبي عبيد الخ‏.‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ قوله استصرح بالضم أي استغيث بصوت مرتفع وهو من الصراخ والمصرخ المغيث انتهى‏.‏ ‏(‏فجد به السير‏)‏ أي اهتم به وأسرع فيه يقال جد ويجد بالضم والكسر وجد به الأمر وأجد وجد فيه وأجد إذا أجتهد كذا في النهاية‏.‏ ‏(‏وأخر المغرب حتى غاب الشفق ثم نزل فجمع بينهما‏)‏، وفي رواية البخاري في باب السرعة في السير من كتاب الجهاد من طريق أسلم قال كنت مع عبد الله بن عمر بطريق مكة فبلغه عن صفية بنت أبي عبيد شدة وجع، فأسرع السير حتى إذا كان بعد غروب الشفق ثم نزل فصلى المغرب والعتمة جمع بينهما ‏(‏كان يفعل ذلك إذا جد به السير‏)‏ استدل بهذا الحديث من قال باختصاص رخصة الجمع في السفر بمن كان سائراً لا نازلاً‏.‏

وأجيب بما وقع التصريح في حديث معاذ بن جبل في الموطأ ولفظه‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر الصلاة في غزوة تبوك، خرج فصلى الظهر والعصر جميعاً، ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعاً‏.‏ قال الشافعي في الأم‏:‏ قوله دخل ثم خرج لا يكون إلا وهو نازل فللمسافر أن يجمع نازلاً ومسافراً‏.‏ وقال ابن عبد البر في هذا أوضح دليل على الرد على من قال‏:‏ لا يجمع إلا من جدبه السير وهو قاطع للالتباس انتهى‏.‏ وحكى عياض أن بعضهم أول قوله‏:‏ ثم دخل أي في الطريق ثم خرج عن الطريق للصلاة ثم استبعده ولا شك في بعده، وكأنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك لبيان الجواز وكان أكثر عادته ما دل عليه حديث أنس والله أعلم‏.‏ ومن ثم قال الشافعية ترك الجمع أفضل وعن مالك رواية أنه مكروه، وفي هذه الأحاديث تخصيص لأحاديث الأوقات التي بينها جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم وبينها النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي حيث قال في آخرها‏:‏ الوقت ما بين هذين كذا في الفتح‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏، وأخرجه البخاري وأبو داود والنسائي وقد أخرج المسند منه مسلم‏.‏

391- باب ما جاء في صلاة الاستسقاء

‏(‏باب ما جاء في صلاة الاستسقاء‏)‏ الاستسقاء لغة طلب سقي الماء من الغير للنفس أو للغير، وشرعاً طلبه من الله تعالى عند حصول الجدب على وجه مخصوص، قاله الحافظ‏:‏ وقال الجزري في النهاية‏:‏ هو استفعال من طلب السقيا أي إنزال الغيث على البلاد والعباد‏.‏ يقال‏:‏ سقى الله عباده الغيث وأسقاهم والإسم السقيا بالضم واستسقيت فلاناً إذا طلبت منه أن يسقيك انتهى‏.‏ وقال الرافعي‏:‏ هو أنواع أدناها الدعاء المجرد وأوسطها الدعاء خلف الصلوات وأفضلها الاستسقاء بركعتين وخطبتين‏.‏ والأخبار وردت بجميع ذلك انتهى‏.‏

552- حدثنا يحيى بنُ موسى حدثنا عبدُ الرزاق أخبرنا مَعْمر عَن الزهريّ عن عَبّادِ بن تميمٍ عن عَمّه‏:‏ ‏"‏أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خرجَ بالناسِ يَستسْقي فَصَلّى بهمْ ركعَتَينِ جَهَرَ بالقراءةِ فيهما وَحوّلَ رِدَاءهَ وَرَفعَ يَدَيْهِ واستَسْقَى واستقبَلَ القِبْلَةَ‏"‏‏.‏

‏(‏قال‏)‏‏:‏ وفي البابِ عن ابنِ عباسٍ وأبي هريرةَ ‏(‏وأنَسٍ‏)‏ و ‏(‏آبى اللّحمِ‏)‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ عبدِ الله بن زيدٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

وعلى هذا العملُ عندَ أهلِ العلْمِ وبهِ يقولُ الشافعي وأحمدُ وإسحاقُ‏.‏

عَم عبّاد بن تميمٍ هو عبدُ الله بنُ زيدِ بنِ عاصِمٍ المازنيّ‏.‏

553- حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا اللّيْثُ ‏(‏بن سعد‏)‏ عن خالِد بن يزيدَ عن سعيدِ بن أبي هلالٍ عن يزيدَ بن عبدِ الله عن عُمَيْرٍ مولى آبى اللحْمِ عن آبى اللحمِ ‏"‏أنه رأى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عندَ أحْجَارِ الزَيْتِ يَسْتَسْقِي وهو مُقْنِعٌ بِكفّيْهِ يَدْعوُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ كذا قال قُتَيْبَةُ في هذا الحديث ‏"‏عن آبي اللحمِ‏"‏ ولا نَعرِفُ لَه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم إلاّ هذا الحديثَ الواحِدَ‏.‏

وعُمَيْرٌ مولى أبى اللحْمِ قد رَوَى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أحاديثَ وله صُحْبَةٌ‏.‏

554- حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا حاتمُ بن إسماعيلَ عن هشَامِ بن إسحاقَ ‏(‏وهو ابنُ عبد الله بن كِنَانَةَ‏)‏ عن أبيه قال أرسَلَنِي الوَليدُ بن عُقْبَةَ وهو أَميرُ المدينةِ إلى ابنِ عباسٍ أَسْأَلهُ عن استسقاءِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَأتيتُهُ فقال‏:‏ ‏"‏إن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خَرَجَ مُتَبَذّلاً مُتَوَاضِعاً مُتَضَرّعاً حتى أَتَى المُصَلّى فلم يَخْطُبْ خُطْبَتكم هذِهِ، ولكن لم يزَل في الدعاءِ والتَضَرّعِ والتكبيرِ، وصلّى ركعَتْينِ كما كانَ يصَلّي في العيدِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

555- حدثنا محمودُ بن غَيْلانَ، حدثنا وَكيعٌ عن سُفيانَ عن هِشامِ بن إسحاقَ بن عبدِ الله بنِ كنَانةَ عن أبيهِ فذكَرَ نَحوَهُ، وزادَ فيهِ مُتَخَشّعاً‏.‏

‏(‏قال أبو عيسى‏)‏‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

وهو قولُ الشافعيّ قال‏:‏ يُصَلّي صلاةَ الاستسقاءِ نحوَ صلاةِ العيدَيْنِ، يُكَبّرُ في الركعةِ الأولىَ سبعاً، وفي الثّانِيةِ خِمساً، واحتجّ بحديث ابنِ عباسٍ‏.‏

‏(‏قال‏)‏ ‏(‏أبو عيسى‏)‏‏:‏ ورُويَ عن مالكِ بن أنسٍ أنه قال‏:‏ لا يُكَبّرُ في صلاةِ الاستسقاء كما يكبر في صلاة العيدين‏.‏

‏(‏وقال النعمان أبو حنيفة‏:‏ لا تصلي صلاة الاستسقاء ولا آمرهم بتحويل الرّداء، ولكن يدعون ويرجعون بجملتهم‏)‏‏.‏ ‏(‏قال أبو عيسى‏:‏ خالف السنة‏)‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن عباد بن تميم‏)‏ بن غزية الأنصاري المازني المدني ثقة من الثالثة، وقد قيل أن له رواية ‏(‏عن عمه‏)‏ قال في التقريب‏:‏ اسم عمه عبد الله بن زيد بن عاصم وهو أخو أبيه لأمه انتهى‏.‏

تنبيه‏:‏

إعلم إن عمه هو عبد الله بن زيد بن عاصم بن مازن الأنصاري لا عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري الخزرجي الذي رأى الأذان في المنام‏.‏ وهما مختلفان ومن ظنهما واحداً فقد غلط وأخطأ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏خرج بالناس‏)‏، أي إلى المصلي كما في رواية الشيخين ‏(‏يستقي‏)‏ حال أو استئناف فيه معنى التعليل ‏(‏فصلى بهم ركعتين‏)‏ فيه دليل على أن الصلاة في الاستسقاء سنة‏.‏ وقال الشافعي وأحمد ومالك والجمهور، وهو قول أبي يوسف ومحمد‏.‏ قال محمد في موطأه‏.‏ أما أبو حنيفة رحمه الله فكان لا يرى في الاستسقاء صلاة، وأما في قولنا فإن الإمام يصلي بالناس ركعتين ثم يدعو ويحول رداءه‏.‏ انتهى‏.‏

قلت‏:‏ قول الجمهور هو الصواب والحق لأنه قد ثبت صلاته صلى الله عليه وسلم ركعتين في الاستسقاء من أحاديث كثيرة صحيحة‏.‏

منها‏:‏ حديث عبد الله بن زيد المذكور في الباب وهو حديث متفق عليه، ومنها حديث أبي هريرة‏.‏ أخرجه أحمد وابن ماجه، ومنها حديث ابن عباس أخرجه أصحاب السنن الأربعة، ومنها‏:‏ حديث عائشة أخرجه أبو داود وقال‏:‏ غريب وإسناده جيد، ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك وقال حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، فهذه الأحاديث حجة بينة لقول الجمهور، وهي حجة على الإمام أبي حنيفة‏.‏ قال بعض العلماء في تعليقه على موطأ الإمام محمد بعد ذكر هذه الأحاديث ما لفظه‏:‏ وبه ظهر ضعف قول صاحب الهداية في تعليل مذهب أبي حنيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استسقى ولم يرو عنه الصلاة انتهى، فإنه إن أراد أنه لم يرو بالكلية فهذه الأخبار تكذبه، وإن أراد أنه لم يرو في بعض الروايات فغير قادح انتهى‏.‏ وقد رد على قول صاحب الهداية المذكور الحافظ الزيلعي في نصب الراية حيث قال‏:‏ أما استسقاؤه عليه السلام فصحيح ثابت، وأما أنه لم يرو عنه الصلاة فهذا غير صحيح بل صح أنه صلى فيه، وليس في الحديث أنه استسقى ولم يصل، بل غاية ما يوجد ذكر الاستسقاء دون ذكر الصلاة، ولا يلزم من عدم ذكر الشيء عدم وقوعه انتهى‏.‏

قال العيني في شرح البخاري‏:‏ قال أبو حنيفة‏:‏ ليس في الاستسقاء صلاة مسنونة في جماعة، فإن صلى الناس وحداناً جاز، إنما الاستسقاء الدعاء والاستغفار، ثم ذكر أحاديث الاستسقاء التي ليس فيها ذكر الصلاة ثم قال‏:‏ وأجيب عن الأحاديث التي فيها الصلاة أنه صلى الله عليه وسلم فعلها مرة وتركها أخرى، وهذا لا يدل على السنية وإنما يدل على الجواز انتهى، وكذلك قال غير واحد من العلماء الحنفية‏.‏

ورده بعض العلماء الحنفية في تعليقه على موطأ الإمام محمد حيث قال‏:‏ وأما ما ذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله مرة وتركه أخرى فلم يكن سنة فليس بشيء، فإنه لا ينكر ثبوت كليهما مرة هذا ومرة هذا، لكن يعلم من تتبع الطرق أنه لما خرج بالناس إلى الصحراء صلى فتكون الصلاة مسنونة في هذه الحالة بلا ريب، ودعاءه المجرد كان في غير هذه الصورة انتهى كلامه‏.‏ وقال في حاشية شرح الوقاية‏:‏ ولعل هذه الأخبار لم تبلغ الإمام وإلا لم ينكر استنان الجماعة انتهى‏.‏

قلت‏:‏ هذا هو الظن به والله تعالى أعلم‏.‏

فإن قلت‏:‏ استدل الإمام أبو حنيفة بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏استغفروا ربكم إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدراراً‏}‏ قال‏:‏ علق نزول الغيث بالاستغفار لا بالصلاة، فكان الأصل فيه هو الاستغفار، فقوله تعالى هذا يدل على سنية الصلاة في الاستسقاء‏.‏

قلت‏:‏ قوله تعالى هذا لا ينافي سنية الصلاة في الاستسقاء وليس فيه نفيها، وقد ثبت بأحاديث صحيحة أنه صلى الله عليه وسلم صلى مع الناس في الاستسقاء، فاستدلاله بقوله تعالى هذا غير صحيح، ولذلك خالفه أصحابه الإمام محمد وغيره ‏(‏جهر بالقراءة فيهما‏)‏ قال النووي في شرح مسلم‏:‏ أجمعوا على استحبابه وكذا نقل الإجماع على استحباب الجهر ابن بطال ‏(‏وحول رداءه‏)‏ كيفية تحويل الرادء أن يأخذ بيده اليمنى الطرف الأسفل من جانب يساره وبيده اليسرى الطرف الأسفل أيضاً من جانب يمينه ويقلب يديه خلف ظهره بحيث يكون الطرف المقبوض بيده اليمنى على كتفه الأعلى من جانب اليمين والطرف المقبوض بيده اليسرى على كتفه الأعلى من جانب اليسار، فإذا فعل ذلك فقد انقلب اليمين يساراً واليسار يميناً والأعلى أسفل وبالعكس كذا في المرقاة‏.‏ وقال الحافظ في الفتح‏:‏ وقد وقع بيان المراد من ذلك في زيادة سفيان عن المسعودي عن أبي بكر بن محمد ولفظه‏:‏ قلب رداءه جعل اليمين على الشمال، وزاد فيه ابن ماجه وابن خزيمة من هذا الوجه والشمال على اليمين، وله شاهد أخرجه أبو داود من طريق الزبيدي عن الزهري عن عباد بلفظ‏:‏ فجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر وعطافه الأيسر على عاتقه الأيمن، وله من طريق عمارة بن غزية عن عباد‏:‏ استسقى وعليه خميصة سوداء فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها، فلما ثقلت عليها قلبها على عاتقه‏.‏ وقد استحب الشافعي في الجديد فعل ما هم به صلى الله عليه وسلم من تنكيس الرداء مع التحويل الموصوف‏.‏ وزعم القرطبي كغيره أن الشافعي اختار في الجديد تنكيس الرداء لاتحويله، والذي في الأم ما ذكرته‏.‏ والجمهور على استحباب التحويل فقط، ولا ريب أن الذي استحبه الشافعي أحوط‏.‏ وعن أبي حنيفة وبعض المالكية لا يستحب شيء من ذلك انتهى كلام الحافظ‏.‏

فائدة في بيان محل تحويل الرداء‏.‏ فاعلم أن محله في أثناء الخطبة حين يستقبل القبلة للدعاء، ففي رواية لمسلم خرج إلى المصلى يستسقي وأنه لما أراد أن يدعو استقبل القبلة وحول رداءه، وفي أخرى له فجعل إلى الناس ظهره يدعو الله واستقبل القبلة وحول رداءه، وفي رواية للبخاري‏:‏ خرج بالناس يستسقي لهم فقام فدعا الله قائماً تم توجه قبل القبلة وحول رداءه‏.‏ قال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذه الروايات‏:‏ عرف بذلك أن التحويل وقع في أثناء الخطبة عند إرادة الدعاء‏.‏ وقال في موضع آخر‏:‏ محل هذا التحويل بعد فراغ الموعظة وإرادة الدعاء انتهى‏.‏ وقال النووي في شرح مسلم‏:‏ قال أصحابنا‏:‏ يحوله في نحو ثلث الخطبة الثانية وذلك حين يستقبل القبلة انتهى‏.‏

فائدة أخرى‏:‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ استحب الجمهور أن يحول الناس بتحويل الإمام، ويشهد له ما رواه أحمد عن عباد في هذا الحديث بلفظ‏:‏ وحول الناس معه‏.‏ وقال الليث وأبو يوسف‏:‏ يحول الإمام وحده فاستثنى ابن الماجشون النساء فقال لا يستحب في حقهن انتهى‏.‏

قلت فالقول الظاهر المعول عليه هو ما ذهب إليه الجمهور‏.‏

فائدة أخرى‏:‏ اختلف في حكمة هذا التحويل، فجزم المهلب بأنه للتفاؤل بتحويل الحال عما هي عليه‏.‏

وتعقبه ابن العربي بأن من شرط الفأل أن لا يقصد إليه قال، وإنما التحويل أمارة بينه وبين ربه، قيل له حول رداءك ليتحول حالك‏.‏

وتعقب بأن الذي جزم به يحتاج إلى نقل، والذي رده ورد فيه حديث رجاله ثقاة أخرجه الدارقطني والحاكم من طريق جعفر بن محمد بن علي عن أبيه عن جابر ورجح الدارقطني إرساله وعلى كل حال فهو أولى من القول بالظن‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ إنما حول رداءه ليكون أثبت على عاتقه عند رفع يديه في الدعاء فلا يكون سنة في كل حال، وأجيب بأن التحويل من جهة إلى جهة لا يقتضي الثبوت على العاتق، فالجمل على المعنى الأول أولى فإن الاتباع أولى من تركه لمجرد احتمال الخصوص كذا في الفتح‏.‏ وفي الدراية وللحاكم من حديث جابر وتحول رداءه ليتحول القحط، وللدارقطني من حديث أنس وقلب رداءه لأن ينقلب القحط إلى الخصب انتهى‏.‏ فالقول المعول عليه في حكمة التحويل هو ما جزم به المهلب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏في الباب عن ابن عباس وأبي هريرة‏)‏ تقدم تخريج حديثهما ‏(‏وأنس‏)‏ أخرجه الطبراني في معجمه الوسط وسيأتي لفظه ‏(‏وآبى اللحم‏)‏ أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث عبد الله بن زيد حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي وأخرجه مسلم ولم يذكر الجهر بالقراءة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وعلى هذا العمل عند أهل العلم‏)‏ أي على ما يدل عليه حديث عبد الله بن زيد ‏(‏وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق‏)‏ وهو قول الجمهور وهو الحق‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن يزيد بن عبد الله‏)‏ بن أسامة بن الهاد الليثي المدني وثقه ابن معين والنسائي وهو من رجال الكتب الستة ‏(‏عن عمير‏)‏ بالتصغير ‏(‏مولى أبى اللحم‏)‏ الغفاري صحابي شهد خيبر وعاش إلى نحو السبعين ‏(‏عن آبي اللحم‏)‏ بالمد اسم رجل من قدماء الصحابة سمي بذلك لامتناعه من أكل اللحم أو لحم ماذبح على النصب في الجاهلية، اسمه عبد الله بن عبد الملك استشهد يوم حنين‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عند أحجار الزيت‏)‏ هو موضع بالمدينة من الحرة سميت بذلك لسواد أحجارها بها كأنها طليت بالزيت ‏(‏يستسقي‏)‏ حال ‏(‏وهو مقنع بكفيه‏)‏ أي رافع كفيه، وفي رواية أبي داود قائماً يدعو يستسقي رافعاً يديه لا يجاوز بهما رأسه‏.‏ والحديث استدل به لأبي حنيفة رحمه الله على عدم استنان الصلاة في الاستسقاء لأنه ليس فيه ذكر الصلاة وقد تقدم الجواب عنه فتذكر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كذا قال قتيبة في هذا الحديث الخ‏)‏ والحديث أخرجه أبو داود والنسائي وسكت عنه أبو داود والمنذري‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن هشام بن إسحاق‏)‏، المدني القرشي، قال في التقريب مقبول، وقال في الخلاصة قال أبو حاتم شيخ ‏(‏عن أبيه‏)‏ هو إسحاق بن عبد الله بن كنانة‏.‏ قال النسائي ليس به بأس، وقال أبو زرعة ثقة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏خرج منبذة‏)‏، أي لابساً ثياب البذلة تاركاً ثياب الزينة، قال في النهاية‏:‏ التبذل ترك التزين والتهيؤ بالهيئة الحسنة الجميلة على جهة التواضع ‏(‏متواضعاً‏)‏ في الظاهر ‏(‏متخشعاً‏)‏ في الباطن، وقال في النيل‏:‏ قوله متخشعاً أي مظهراً للخشوع ليكون ذلك وسيلة إلى نيل ما عند الله عز وجل، وزاد في رواية‏:‏ مترسلاً أي غير مستعجل في مشيه ‏(‏متضرعاً‏)‏ أي مظهراً للضراعة وهي التذلل عند طلب الحاجة ‏(‏فلم يخطب خطبتكم هذه‏)‏ النفي متوجه إلى القيد لا إلى المقيد، كما يدل على ذلك الأحاديث المصرحة بالخطبة، وفي رواية أبي داود‏:‏ فرقى المنبر ولم يخطب خطبتكم هذه‏.‏ فقوله فرقى المنبر أيضاً يدل على أن النفي متوجه إلى القيد، قال الزيلعي في نصب الراية‏:‏ قال أحمد‏:‏ لا تسن الخطبة في الاستسقاء واحتجوا له بقوله فلم يخطب ولكنه خطب الخطبة واحدة، فلذلك نفي النوع ولم ولم ينف الجنس، ولم يرو أنه خطب خطبتين فلذلك قال أبو يوسف يخطب خطبة واحدة، ومحمد يقول يخطب خطبتين ولم أجد له شاهداً انتهى كلام الزيلعي، ‏(‏وصل ركعتين كما كان يصلي في العيد‏)‏ استدل به الشافعي رحمه الله على أنه يكبر في صلاة الاستسقاء كتكبير العيد، وتأوله الجمهور على أن المراد كصلاة العيد في العدد والجهر بالقراءة وكونها قبل الخطبة، واستدل له بما أخرجه الحاكم والدارقطني والبيهقي عن محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمَن بن عوف عن أبيه عن طلحة قال‏:‏ أرسلني مروان إلى ابن عباس أسأله عن سنة الاستسقاء فقال سنة الاستسقاء سنة الصلاة في العيدين الحديث، وفيه وصلى ركعتين كبر في الأولى سبع تكبيرات وقرأ ‏{‏سبح اسم ربك‏}‏ وقرأ في الثانية ‏{‏هل أتاك حديث الغاشية‏}‏ وكبر فيها خمس تكبيرات، قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه‏.‏

قال الحافظ الزيلعي‏:‏ والجواب عنه من وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ ضعف الحديث فإن محمد بن عبد العزيز هذا قال فيه البخاري منكر الحديث، وقال النسائي متروك الحديث، وقال أبو حاتم ضعيف الحديث ليس له حديث مستقيم‏.‏

الثاني‏:‏ أنه معارض بحديث أخرجه الطبراني في معجمه الوسط عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استسقي فخطب قبل الصلاة واستقبل القبلة وحول رداءه ثم نزل فصلى ركعتين لم يكبر فيهما إلا تكبيرة‏.‏ انتهى كلام الزيلعي‏.‏

قلت‏:‏ قال الحافظ في الدراية بعد ذكر حديث أنس هذا‏:‏ ولا حجة فيه فإنها كانت حينئذ صلاة الجمعة انتهى‏.‏

واعلم أنه قد اختلف الأحاديث في تقديم الخطبة على الصلاة أو العكس، ففي حديث أبي هريرة وحديث أنس وحديث عبد الله بن زيد عند أحمد أنه بدأ الصلاة قبل الخطبة، وفي حديث عبد الله بن زيد في الصحيحين وغيرهما، وكذا في حديث ابن عباس عند أبي داود وحديث عائشة عند أبي داود أنه بدأ بالخطبة قبل الصلاة ولكنه لم يصرح في حديث عبد الله بن زيد الذي في الصحيحين أنه خطب وإنما ذكر تحويل الظهر إلى الناس واستقبال القبلة والدعاء وتحويل الرداء، قال القرطبي، يعتضد القول بتقديم الصلاة على الخطبة بمشابهتها للعيد، وكذا ما تقرر من تقديم الصلاة أمام الحاجة‏.‏ قال في الفتح‏:‏ ويمكن الجمع بين ما اختلف من الروايات في ذلك أنه صلى الله عليه وسلم بدأ بالدعاء ثم صلى ركعتين ثم خطب، فاقتصر بعض الرواة على شيء وعبر بعضهم بالدعاء عن الخطبة فلذلك وقع الاختلاف، والمرجح عند الشافعية والمالكية الشروع بالصلاة، وعن أحمد رواية كذلك قال النووي وبه قال الجماهير، وقال الليث بعد الخطبة، وكان مالك يقول به ثم رجع إلى قول الجماهير‏.‏ قال قال أصحابنا‏:‏ ولو قدم الخطبة على الصلاة صحتا ولكن الأفضل تقديم الصلاة كصلاة العيد وخطبتها‏.‏ وجاء في الأحاديث ما يقتضي جواز التقديم والتأخير‏.‏ واختلف الرواية في ذلك عن الصحابة انتهى‏.‏ كذا ذكر القاضي الشوكاني في النيل، وقال جواز التقديم والتأخير بلا أولوية هو الحق انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أبو داود والنسائي، وأخرجه أيضاً أبو عوانة وابن حبان والحاكم والدارقطني والبيهقي وصححه أيضاً عن أبو عوانة وابن حبان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وزاد فيه متخشعاً‏)‏ أي مظهراً للخشوع ليكون ذلك وسيلة إلى نيل ما عند الله عز وجل، وزاد في رواية مترسلاً أي غير مستعجل في مشيه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهو قول الشافعي قال يصلي صلاة الاستسقاء نحو صلاة العيدين يكبر في الركعة الأولى سبعاً وفي الثاينة خمساً، واحتج بحديث ابن عباس‏)‏ تقدم الكلام في ذلك فتذكر، ‏(‏وروى عن مالك بن أنس أنه قال‏:‏ لا يكبر في صلاة الاستسقاء كما يكبر في صلاة العيدين‏)‏ وهو قول الجمهور‏.‏ واختلفت الرواية عن أحمد في ذلك‏.‏ وقال داود إنه مخير بين التكبير وتركه‏.‏

قلت‏:‏ الراجح عندي قول الجمهور فإنه لم يثبت من حديث مرفوع صحيح صريح أنه يكبر في صلاة الاستسقاء في الركعة الأولى سبعاً وفي الثانية خمساً كما يكبر في صلاة العيدين‏.‏ أما حديث ابن عباس الذي أخرجه الترمذي وغيره فليس بصريح في ذلك‏.‏ وأما حديثه الذي أخرجه الحاكم والدارقطني والبيهقي وقد تقدم، فقد عرفت أنه ضعيف لا يصلح للاحتجاج والله تعالى أعلم‏.‏